اسئلة حوارية للدكتور ناصح البقمي
أستاذ السياسة الشرعية المساعد
المشرف على إدارة البرامج التطويرية
بمعهد الدراسات الدبلوماسية
----------------
** هل هناك فرق بين الحلول الشرعية والحلول الاقتصادية لمشكلة غلاء الاسعار؟.
نعم يوجد بعض الفروق . فمثلا تعالج النظرية الاقتصادية الغربية التضخم في مجال السياسة النقدية بثلاث أدوات هي : زيادة معدل الفائدة المصرفية ، وطرح سندات الحكومة في السوق ، وزيادة الاحتياطي القانوني للودائع في البنوك . فالأداة الأولى محرمة لأنها ربا كما أفتت بذلك هيئات الفتوى والمجامع الفقهية الإسلامية في هذا العصر . والأداة الثانية وهي السندات الحكومية يدفع لها عائد ثابت أي فائدة ، وقد كيفتها تلك المجامع على أنها قروض ، والقاعدة الشرعية أن " كل قرض جر نفعا فهو ربا " ولذلك حرمتها تلك المجامع . أما الأداة الثالثة وهي زيادة الاحتياطي القانوني فهذه جائزة بشرط عدم ربط تلك الودائع بالفائدة الربوية . كما تعالج النظرية الاقتصادية الغربية مشكلة التضخم في مجال السياسة المالية بعدة أدوات منها : تخفيض الإنفاق الحكومي ، وزياة الضرائب ، وزيادة الإعانات . فالأولى جائزة ، والثانية وهي الضرائب تنقسم إلى قسمين : ضرائب مباشرة وهي التي تفرض على المال عند اكتسابه ومنها ضريبة الدخل ، وضرائب غير مباشرة وهي التي تفرض على المال عند إنفاقه ومنها ضريبة المبيعات والإنتاج والقيمة المضافة . والراجح عند الفقهاء هو جواز الضرائب بشروط منها: وجود الحاجة العامة التي تستدعي فرضها ، وفرضها على الأغنياء دون الفقراء ، وأن تكون بموافقة أهل الحل والعقد والشورى . وهذه الشروط لا يمكن تحققها إلا في الضرائب المباشرة فيمكن القول بجوازها إذا توافرت تلك الشروط . وأما الضرائب غير المباشرة فهي لا تفرق بين الأغنياء والفقراء ، فيختل فيها أهم الشروط فلا تجوز . وأما الإعانات أو الدعم فينقسم إلى قسمين : دعم الأسعار ودعم الدخول . فدعم الأسعار هو الذي تصرفه الحكومة لمنتج أو بائع السلعة أو الخدمة لكي يبيعها بسعر أقل ، ودعم الدخول هو الذي يدفع للفقراء والمحتاجين لرفع دخولهم مع ترك الأسعار كما هي . ولا شك أن القسم الثاني أحسن من القسم الأول لأنه يدفع لمن يحتاجه ، أما الأول فيدفع لسلعة قد يشتريها فقير وقد يشتريها غني ، والغني في الحقيقة ليس في حاجة إلى دعم . والسياسات الاقتصادية الجائزة هي سياسات شرعية ، وسنذكر فيما بعد بعض الحلول الشرعية .
** كيف يمكن ربط الغلاء بالسلوكيات الجديدة التي طرأت على الناس في الأعوام الأخيرة؟.
لا شك أن الغلاء قد دفع الناس إلى تخفيض استهلاكهم وترشيده إن صح التعبير ، بربط الشراء بالحاجة والبحث عن بدائل للسلعة التي ارتفع سعرها . وهذا ربما يؤدي إلى تقليص حجم الاستهلاك وترك بعض السلوكيات المظهرية غير المحمودة .
** ماهي الحلول الاقتصادية التي تطرحها لمعالجة الغلاء؟ وكذلك ماهي الحلول الشرعية؟.
قبل أن نذكر الحلول أود أن أبين أن الغلاء يسمى عند الاقتصاديين بالتضخم ويعني الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات . وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام : تضخم الطلب وتضخم التكاليف والتضخم المستورد . فتضخم الطلب يعني زيادة الطلب الكلي سواء كان إنفاقا حكوميا أو إنفاقا استثماريا أو إنفاقا استهلاكيا خاصا زيادته على العرض الكلي أي الإنتاج أو الدخل القومي . وتضخم التكاليف يعني زيادة تكاليف عناصر الإنتاج مثل الأرض والموارد الطبيعية والمواد الأولية والوسيطة، والأجور ، ومعدل الفائدة المصرفية في حال القروض الربوية . والتضخم المستورد يعني زيادة الأسعار المحلية نتيجة لزيادة الأسعار العالمية . والتضخم الموجود في المملكة هو خليط من تلك الأقسام وإن كان التضخم المستورد هو الأكثر . وفيما يلي بيان حلول كل قسم :
أولا : حلول مشكلة تضخم الطلب :
1ـ من الحلول الشرعية توعية الناس بخطورة الاستهلاك الذي يقود إلى الإسراف المحرم وقد نهى الله سبحانه عن الإسراف وذم المسرفين فقال : " ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " .
2ـ ومن الحلول الشرعية زيادة الإعانات بأن تزاد دخول الفقراء والمحتاجين . وهذا يتطلب صرف مخصصات لكل أسرة بحسب عدد أفرادها وقد كانت الدولة الإسلامية في صدر الإسلام تدفع لكل مولود عطاء . وكذلك إعادة النظر في تطبيق الزكاة بحيث تشمل كل الأموال الزكوية وبحيث يفعل تحصيلها ويوضع لها نظام في كيفية ذلك . وكذلك تفعيل الأوقاف بتحويلها إلى مؤسسة عامة مستقلة عن وزارة الشؤون الإسلامية ، تستثمر أموال الوقف بطرق تجارية ويمكن الاستفادة من تجربة الكويت في هذا الخصوص .
3ـ ومن الحلول الاقتصادية تمليك الدائنين للحكومة في أسهم المنشآت التي تمتلك الحكومة فيها أسهما بدلا من دفع الأموال لهم نقدا .
4ـ ومن الحلول الاقتصادية زيادة القيود على الإقراض المصرفي ومن ذلك زيادة الاحتياطي النظامي أو القانوني في البنوك .
ثانيا : حلول مشكلة تضخم التكاليف :
1ـ إلغار رسوم الخدمات العامة كرسوم المرور والجوازات واستقدام العمالة المنزلية . وقد نص النظام الأساسي للحكم على أن الضرائب والرسوم تفرض عند الحاجة وتزال عند زوالها . والدولة اليوم ليست بحمد الله في حاجة إلى تلك الرسوم ، فنرجو إزالتها ، وعند الحاجة إليها يمكن فرضها مرة أخرى .
2ـ ومن الحلول الشرعية إلغاء التعامل بنظام الفائدة المصرفية ؛ لأنها ربا وقد نص نظام مؤسسة النقد على عدم جواز التعامل بالفائدة ، والبنوك الآن تتجه نحو الشريعة الإسلامية بحمد الله ، فنرجو تحقيق ذلك وقد سبقتنا إليه بعض الدول الإسلامية كالسودان وباكستان .
3ـ ومن الحلول الاقتصادية العمل على تخفيض أسعار الأراضي بفرض الزكاة عليها ومنع الاحتكار فيها وتقليل حجم القطع وتحمل الدولة لمشروعات البنية التحتية .
4ـ ومن الحلول الاقتصادية فصل وكالة حماية المستهلك عن وزارة التجارة والصناعة وتحويلها إلى هيئة عامة لها فروع في كل مدن ومحافظات المملكة وزيادة مراقبيها وإعطائهم مكافآت مجزية ، إضافة إلى الجمعية الأهلية التي أنشئت لهذا الغرض .
ثالثا : حلول مشكلة التضخم المستورد :
1ـ رفع سعر الريال مقابل الدولار مما يجعل الواردات رخيصة والصادرات مرتفعة وهذا سيقلل من التضخم .
2ـ العمل على تخفيض أسعار النفط لكي لا يزيد تضخم التكاليف في البلدان التي نستورد منها ثم يعاد إلينا على هيئة تضخم مستورد .
3ـ البحث عن بدائل للسلع المستوردة التي ارتفعت أسعارها .
4ـ إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات ومن ذلك الرسوم المفروضة على الدجاج المستورد وهي 20% .
5ـ تقليل الوسطاء والوكالات التجارية .
6ـ منع الاحتكار وتشجيع الممنافسة .
** برأيك هل يمكن أن تلعب المصارف الاسلامية بما تطرحه من منتجات متوافقة مع الشريعة في تقليل معاناة الناس من الغلاء ؟..(الصكوك الإسلامية مثلا)؟..
المصارف الإسلامية يفترض أنها تتعامل بنظام المشاركة الشرعي الذي يتبع أسلوب العمل بالعقود الشرعية كالمضاربة والمرابحة والبيع بأجل والاستصناع . وميزة هذه الأساليب أنها تجمع بين الممول " البنك " والمستثمر أو التاجر في مشروع معين بحيث يكونان خاضعين للربح والخسارة وفقا للمبدأ الشرعي " الغنم بالغرم " . بعكس التمويل الربوي القائم على التعامل بالفائدة وهي نسبة يضيفها المستثمر أو التاجر على السعر ويحملها المستهلك كما أنه يتحملها المستثمر لوحده سواء ربح أم خسر . وأما الأسلوب الشرعي فيجمع بين الممولين والمستثمرين في إنشاء مشروع إنتاجي أو خدمي يعود بالنفع على الاقتصاد . والصكوك الإسلامية المجازة شرعا من مجمع الفقه الإسلامي بجدة نوعان هما : صكوك المقارضة " المضاربة " وصكوك الإجارة . وكلاهما يمكن أن يتسعمل لتمويل مشروع ما وتوزيع عائداته على أصحاب الصكوك فهي بديل للسندات الربوية .
** في اعتقادك ما تأثير الغلاء بالنسبة للمجتمع في غير الأوضاع المعروفة مثلا .. هل له تأثير في الاقدام على الزواج أو نحو ذلك؟.. هل لها مثلا تأثير غير مباشر في الاقدام على كسب الأموال بصورة غير مشروعة؟.
لا شك أن له تأثيرا في دخول الناس ومن ثم عدم قدرتهم على تلبية حاجاتهم ومنها الزواج حيث ستكون تكاليفه مرتفعة . كما أنه قد يدفع بعض ضعاف الإيمان إلى الطرق غير المشروعة كالاتجار بالمخدرات والسلاح أو التهريب أو غير ذلك .
** مع ازدياد حدة الغلاء في الفترة الأخيرة لماذا لم تنشط المؤسسات الخيرية بشكل أكبر داخل المملكة؟.
المطلوب والمؤمل من تلك المؤسسات أن تنشط في كل حين وبخاصة في هذه الظروف ؛ لأن الغلاء ضائقة مالية والنبي صلى الله عليه وسلم قال " من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه " رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . فالأمر يحتاج إلى وجود جهة تدفع تلك الجهات كوزارة الشؤون الاجتماعية مع أهمية التنسيق فيما بينها .
** تأثير الغلاء على أخلاق الناس؟. هل تتوقع أن تحصل تغيرات في أخلاق الناس؟.
هذا يعود لإيمان الشخص ؛ فإن كان إيمانه قويا فإنه يعلم أن هذا ابتلاء من الله وعليه الصبر ومع الصبر يأتي الفرج ، وإن كان إيمانه ضعيفا فإنه قد يتأثر نفسيا ومعنويا وقد يدفعه ذلك إلى سلوك غير محمود كما تقدم .
** هل الدولة تتحمل جزء من المسؤولية فيما وصل اليه الوضع من غلاء؟.
قد تكون تحملت بغير قصد بسبب زيادتها للنفقات الحكومية وهي كما نعلم نفقات مهمة سواء في مجال الصحة أو التعليم أو غير ذلك من الخدمات التي تهم المواطن فالتضخم قد يكون أحيانا كما يقال شرا لا بد منه ، ولكن فيما لو اتبعت الحلول المقترحة أو معضمها فنظن أن التضخم سينخفض بإذن الله ونسأل الله أن يعين ولي الأمر في معالجة هذه المشكلة .
** هل هناك أسباب للغلاء ترجع للمواطنين أنفسهم؟..(ذنوب وكبائر ونحو ذلك).
نعم قد يكون عقوبة على تفشي بعض المعاصي ، وقد يكون كما ذكرنا أثرا من آثار الإسراف المتزايد في كثير من جوانب الإنفاق الاستهلاكي .
** هل هناك استغلالية من بعض الجهات للوضع (التجار)..هل كانت هناك ممارسات احتكارية.. وما حكم ذلك في الشريعة؟.
لا شك أن لبعض التجار أثرا في ذلك ، وإن كان تحديد مقدار ذلك الأثر لا يمكن معرفته إلا عن طريق الجهة المختصة . والاحتكارات واضحة سواء في مجال الوكالات أو غيرها . والاحتكار غير محمود في النظرية الاقتصادية ومحرم في الشريعة الإسلامية . قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحتكر إلا خاطئ " أي عاصي . رواه مسلم . وإن كان قد يوجد بعض الفروق بين معنى الاحتكار الاقتصادي ومعناه الشرعي .
** ما رايك في اعتماد سياسة التسعير كوسيلة من وسائل محاربة الغلاء؟. وهل سيكون مفيدا ؟.
عندما ارتفعت الأسعار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاء الناس إليه فقالوا : يا رسول الله ، غلا السعر في المدينة فسعر لنا . فقال : " إن الله هو المسعر الباسط القابض الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " رواه أهل السنن من حديث أنس رضي الله عنه وهو صحيح . ويدل على عدم جواز التسعير وهو قول الجمهور . لكن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم حملا المنع في هذا الحديث على الحال التي يكون ارتفاع الأسعار فيها طبيعيا خاضعا للعرض والطلب كأن يكون فيه نقص في العرض أو زيادة في الطلب فتكون العلة عدم ظلم التجار بتحديد أسعار سلعهم وسبب الارتفاع ليس منهم مما يؤدي إلى خسارتهم ، وأما في حال وجود تلاعب من التجار بالأسعار فيكون التسعير جائزا لاختلاف العلة هنا وهي رفع الظلم الواقع من التجار على الناس . وهذا هو القول الراجح وقد اختاره مجمع الفقه الإسلامي في جدة . وبناء عليه يجوز تدخل ولي الأمر في النشاط الاقتصادي إذا وجدت الحاجة ومن ذلك ارتفاع الأسعار في حال تلاعب التجار فقط . فينبغي أن تكون بقدر الحاجة ولمعالجة هذه الحالة فقط ؛ لأنه لو توسعت الدولة في هذه الوسيلة فقد تؤدي إلى اختفاء السلع من السوق أو نشوء سوق سوداء تباع فيها تلك السلع بأسعار أكثر من الأسعار المحددة .
** أخيرا... كيف تنظر للغلاء من وجهة نظر شرعية (تكييف شرعي)؟.
تقدم في حديث أنس السابق أن الله هو المسعر بمعنى أن الذي جعل قانون العرض والطلب هو الله فهو سنة إلهية . فارتفاع الأسعار بناء على ذلك أمر طبيعي . لكن إن كان الارتفاع بسبب تلاعب التجار فهو أمر محرم ومخالف لسنة الله ؛ إذ المفروض أن تترك الأسعار حسب العرض والطلب ، وقد يكون الارتفاع بسبب خطأ في سياسات اقتصادية معينة فينبغي عندئذ مراجعتها . والارتفاع في كل الأحوال قد يكون عقوبة من الله على ما يقترف الناس من الذنوب وبخاصة الكبائر . وما حصل في االمملكة خليط من هذا ومن هذا . وعلى كل لا بد من التوبة إلى الله والرجوع إليه واتباع هديه في جميع أمور المجتمع ومن ذلك الاقتصاد وفيما ذكرت كفاية . والله أعلم .
مقابلة أجرتها مجلة الإسلام اليوم مع المشرف نشرت في عددها 40 شهر صفر 1429هـ