: مقالات اقتصادية

  : مقالات اقتصادية
التضخم في المملكة : الأسباب والحلول الاقتصادية والشرعية
 

التضخم في المملكة : الأسباب والحلول الاقتصادية والشرعية

 

   التضخم هو الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات . وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام : تضخم الطلب ويعني زيادة الطلب الكلي  على العرض الكلي على مستوى الاقتصاد. ويعني تضخم التكاليف زيادة تكاليف عناصر الإنتاج ، أما التضخم المستورد فيعني زيادة أسعار السلع والخدمات المستوردة نتيجة لزيادة أسعار السلع العالمية أي بسبب عوامل خارجة عن الاقتصاد المحلي .  ولكل قسم من هذه الأقسام أسباب منها:

أولا : أسباب تضخم التكاليف :

1ـ زيادة أسعار المواد الأولية والوسيطة الداخلة في إنتاج السلعة بما في ذلك أسعار الأراضي . فمثلا شركة سابك رفعت أسعار بعض المواد الأولية الداخلة في إنتاج بعض الأعلاف كالسماد مما زاد من ارتفاع أسعارها ، وقس على ذلك أسعار الغاز الذي  تبيعه محليا حسب السعر العالمي مما زاد من أسعار السلع والخدمات التي تعتمد عليه . أما تأثير ارتفاع أسعار الأراضي فحدث عنه ولا حرج ، فهو يؤثر في ارتفاع أجور المحلات والمنازل وغيرها .

  زيادة تكلفة  الأجور التي يتقاضاها العمال . فمثلا عندما زادت الدولة رواتب موظفيها بنسبة 15% زاد بعض منشآت القطاع الخاص رواتب موظفيها بالنسبة نفسها ، وعادة تضاف تلك الزيادة على سعر السلعة أو الخدمة المنتجة ، فالذي يتحملها هو المستهلك وليس المنتج .

3ـ معدل الفائدة . وهو تكلفة رأس المال التي يدفعها المستثمر للمقرض سواء كان المقرض بنكا أو غيره ، وتضاف عادة على سعر السلعة النهائي ، فالذي يتحملها هو المستهلك وليس المنتج أيضا .

4ـ تلاعب التجار والمنتجين بالأسعار . فعند وجود سبب ما لارتفاع الأسعار فإنه يستغل لرفع أسعار سلع أخرى ليس لها علاقة بالارتفاع وإنما القصد هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الربح . وإذا علمنا بأن 90% من اقتصاد المملكة منشآت صغيرة يدار معظمها من قبل عمالة وافدة تحرص على تحقيق قدر من الربح في أسرع وقت قبل عودتها إلى بلادها اتضح لك لماذا ترتفع الأسعار بهذه الصورة .!

ثانيا : أسباب تضخم الطلب وهي :

1ـ الزيادة في الإنفاق الحكومي . فالدولة ضخت أموالا ضخمة في الاقتصاد لإنشاء كثير من المشروعات مما ساهم في زيادة الطلب وبخاصة على مواد البناء مما زاد من ارتفاع أسعارها .

2ـ الزيادة في الطلب الاستهلاكي الخاص . يشهد المجتمع السعودي طلبا استهلاكيا متزايدا تجاوز حد الإسراف ، بحيث غلب عليه البذخ والمظهرية . وزاد هذا الطلب أيضا مع زيادة الرواتب بنسبة 15% ، حيث أصبح لدى الأفراد سيولة أكثر وجهت لمزيد من شراء السلع الاستهلاكية .

3ـ الزيادة في الطلب الاستثماري . أدى صرف كثير من مخصصات منشآت القطاع الخاص إلى زيادة طلبها من أجل التوسع ومزيدا من الاستثمار . وساعد ذلك تسديد جزء كبير من الدين العام الذي كان معظمه يخص البنوك على شكل سندات حكومية ، ضختها البنوك على هيئة قروض مصرفية للقطاع الخاص تلبية لطلبهم الاستثماري والأفراد تلبية لطلبهم الاستهلاكي .  

4ـ الزيادة في الطلب الخارجي على المنتجات المحلية . مثلا إذا زاد الطلب على المنتجات البتروكيماوية ومنتجات الألبان المحلية زادت الأسعار في الداخل .

ثالثا : أسباب التضخم المستورد :

1ـ انخفاض الدولار . تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على استمرار انخفاض عملتها من أجل معالجة العجز المستمر والمتزايد في ميزانها التجاري ، وذلك أن انخفاض الدولار يجعل الصادرات الأمريكية رخيصة فيزيد الطلب عليها ويجعل الواردات الأمريكية غالية فيقل الطلب عليها ، مما يسهم في إعادة التوازن إلى الميزان التجاري . ويؤثر هذا الانخفاض في العملات المربوطة بالدولار كالريال السعودي عند صرفه بعملة أخرى كاليورو مثلا . فقد انخفض الدولار أمام اليورو بنسبة 40 % تقريبا ممل جعل الريال ينخفض أمام اليورو أيضا فزادت قيمة الواردات المقيمة بغير الدولار .

2ـ ارتفاع أسعار النفط . يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تضخم التكاليف في البلدان المستوردة له ومنها دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الغربية عموما ، وباعتبار أن معظم وارداتنا هي من تلك الدول فإننا نستورد التضخم من تلك الدول ، الذي ساهم النفط بنصيب وافر فيه .

3ـ ارتفاع أسعار السلع العالمية بسبب غير النفط . كالظروف الطبيعية أو الحروب أو الأحداث السياسية أو نحو ذلك .

الحلول الاقتصادية والشرعية لمشكلة التضخم في المملكة :

أولا : حلول مشكلة تضخم التكاليف :

1ـ إلغاء رسوم الخدمات العامة كرسوم المرور والجوازات والاستقدام للعمالة المنزلية .

2ـ العمل على تخفيض أسعار الأراضي . بفرض الزكاة عليها ومنع الاحتكارات فيها. مع تقليل مساحة القطعة الواحدة ، وتحمل الدولة لمشروعات البنية التحتية .

3ـ منع التعامل بالفائدة الربوية والأخذ بنظام التمويل بالمشاركة الشرعي بلا تحايل .

4ـ تطبيق سياسة التسعير في حال وجود تلاعب من التجار بأسعار السلع .

5ـ التعجيل بفصل وكالة وزارة التجارة لحماية المستهلك وجعلها هيئة حكومية مستقلة لحماية المستهلك بحيث يكون لها فروع في جميع مناطق ومحافظات المملكة وتنقل لها صلاحيات الأمانات والبلديات في هذا الخصوص ، إلى جانب الجمعية الأهلية لحماية المستهلك ؛ لمراقبة الأسعار وإيقاع العقوبات على المخالفين .

ثانيا : حلول مشكلة تضخم الطلب :

1ـ توعية الناس بخطورة الإسراف في الدنيا والآخرة . فهو من كبائر الذنوب وصاحبه غير محبوب عند الله . قال تعالى " ولا تسرفوا . إنه لا يحب المسرفين " والمطلوب هو التوسط قال تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " .

2ـ قضاء الدين الحكومي عن طريق تمليك الدائنين في حصص الحكومة في الشركات بدلا من المبالغ النقدية من أجل تقليص السيولة .

3ـ تمويل المشاريع الحكومية عن طريق الصكوك الإسلامية وعقود الإجارة المنتهية بالتمليك . فلبناء مشروع تعليمي مثلا يمكن توزيع رأس ماله على هيئة صكوك ثم طرحها للاكتتاب فإذا جمع المبلغ يبنى به المشروع ثم يؤجر على الدولة بأسلوب الإيجار المنتهي بالتمليك بحسب الضوابط التي أجيز بها في مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة ، ويحصل المكتتبون على عوائد الإيجار سنويا إلى أن تنتهي مدة الإيجار فتعود ملكية المشرع للدولة ، مع حقهم في بيع تلك الصكوك للدولة في أي وقت قبل ذلك . 

4ـ زيادة القيود على الإقراض المصرفي الموجه للتمويل الاستهلاكي ؛ لتخفيض الطلب الاستهلاكي المتزايد .

5ـ فرض رسوم جمركية على الصادرات في حال عدم تلبية الطلب المحلي .

6ـ دعم دخول الفقراء بتفعيل الزكاة والأوقاف ودفع مخصصات حسب حجم الأسر الفقيرة والمحتاجة . وهذا النوع من الدعم أفضل من دعم الأسعار لأن دعم الأسعار يستفيد منه الغني والفقير ، مع العلم بأن الغني قد لا يكترث لارتفاع الأسعار فهو ليس بحاجة للدعم . ودفع المخصصات له أصل في الإسلام فقد ثبت أن الدولة الإسلامية في صدر الإسلام كانت دفع مالا لكل مولود ، ويعمل بهذا حاليا في بعض الدول  كالإمارات والكويت.

ثالثا : حلول مشكلة التضخم المستورد :

1ـ رفع قيمة الريال أمام الدولار . وهذا سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الصادرات وانخفاض قيمة الواردات ، مما يقلل من التضخم  المستورد .

2ـ العمل على تخفيض أسعار النفط . فلا شك أن استمرار ارتفاع الأسعار أو بقاءها على ما هي عليه سيجعل الدول المستهلكة تبحث عن بدائل وتترك النفط ، وهذا ليس في مصلحة الدول المصدرة .

3ـ البحث عن بدائل للسلع العالمية المستوردة التي ارتفعت أسعارها .

4ـ إلغاء الرسوم الجمركية . وهذا سيخفف مشكلة التضخم المستورد ، فمثلا الدجاج المستورد عليه رسوم جمركية بمعدل 20% وضعت لحماية إنتاج الدجاج المحلي عندما كانت مشروعاته في بداياتها  ، لكن الآن أصبحت تلك المشروعات قوية ولم تعد في حاجة للحماية .

5ـ تقليل الوسطاء والوكالات التجارية . فكل ما زاد الوسطاء في استيراد السلعة أو الخدمة فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع أسعار ها . وقد نصت اتفاقيات منظمة التجارة العالمية على ضرورة السماح للشركة الأجنبية بفتح فرع لها في البلد العضو وقد وقعت المملكة على ذلك ، فينبغي من الآن فصاعدا أن يسمح لتلك الشركات بفتح فروع لها في المملكة دون وسطاء .

6ـ منع الاحتكار وتشجيع المنافسة . وقد سارت المملكة في هذا التوجه في مجال الاتصالات والخطوط الجوية وغيرها وكلما زادت المنافسة زادت الجودة وقلت الأسعار .

 

مقالة للمشرف نشرت على حلقتين في جريدة الاقتصادية الحلقة الأولى بتاريخ 2/ 1/ 1429هـ في العدد 5214 والأخرى بتاريخ 19/ 1/ 1429هـ في العدد 5221 .  



 
حقوق النشر والطبع © 1427هـ الإسلام و الاقتصاد . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2006 www.islamecon.com . All rights reserved