بعد أشهر من الأزمة.. هل اقترب العالم من الاقتصاد الإسلامي؟
وفقاً لأكثر المتفائلين في العالم، فإن الأزمة المالية العالمية ما زالت في ربعها الأول، وهو ربع - إذا ما اتفقنا عليه – فقد كشف فشل معظم الأنظمة والنظريات الاقتصادية الغربية، وجعل في الوقت نفسه العالم يلتفت إلى معالم النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي التفاتة كشفت وفقاً للكثيرين عدم جاهزية التجربة لمساعدة النظام الاقتصادي العالمي المريض، بالرغم من أن الجميع متفق على قدرة النظام الإسلامي في ذاته على لعب هذا الدور، أسئلة كثيرة يمكن صياغتها في هذا السياق، اتجاهات الرأي العالمي تجاه الاقتصاد الإسلامي وفروعه بعد مرور كل هذه الأشهر على الأزمة، وقدرة هذا النظام على إيجاد الحل والشروط والأدوات الواجب توافرها وأسئلة أخرى أجاب عنها كل من: الدكتور ناصح بن مرزوق البقمي الأستاذ المساعد في معهد الدراسات الدبلوماسية، والأستاذ نضال الغطيس الخبير في شؤون المصرفية الإسلامية.
الغطيس
في رأي الدكتور ناصح فإن اتجاهات الرأي العالمي تجاه المصرفية الإسلامية اليوم، ينقسم إلى قسمين: قسم يعادي المصرفية الإسلامية ويحذر منها ويرى أنها مدخل لأسلمة العالم، وقسم يرحب بها من منطلق مصلحي بحت، أي للحصول على الودائع من المسلمين الذين لا يريدون الإيداع بفوائد ربوية، ومن هنا فإنه يرى أن الغرب لا يهتم بكون هذه المصرفية متفقة تماما مع الشريعة الإسلامية أم لا، فهم – كما يقول - يكتفون بالاسم، ولا بأس في نظرهم من التحايل عليها.
أما نضال الغطيس فيقول: إن انتشار التجربة المصرفية الإسلامية لا يعني بالضرورة جاهزيتها لقيادة النظام الاقتصادي، لأن هناك عوامل أتاحت لها الانتشار منها: أموال النفط، والصحوة الإسلامية التي عمت البلدان، واختيار أصحاب الأموال لهذا النمط من المصرفية لأنه أكثر ربحية، فكل ذلك وغيره – يمضي الغطيس - أدى لانتشار التجربة، وأسهم في إقبال البنوك الغربية العاملة في بلادنا على مجاراة التيار والارتفاع مع الموجة وتحقيقا لما تطلبه الجماهير فتبنت في تطبيقاتها أعمال المصرفية الإسلامية على مستوى المنتجات. لأنها أكثر جاذبية، وعن مدى تأثير كل ذلك في الاقتصاد والفكر الاقتصادي الإسلامي ومدى قناعة الرأي العالمي بالاقتصاد الإسلامي، يقول الغطيس: إن المتابع للتنظير والكتابات الغربية في هذا المجال تكاد لا ترقى في كثير من الأحيان لأكثر من تصريح هنا أو فتح بنك هناك أو إعطاء تسهيلات، كما حدث في بريطانيا جذبا وانتفاعا من أموال المسلمين، ومعظم هذه التصريحات جاءت على استحياء طلبا لود ورغبة في وصال الجيوب المالية الإسلامية التي بدأت بإدارة ظهرها والإعراض عن الدول الغربية والعودة والالتفات إلى دولها، وهذا في رأيه بدايات خجولة ولن يكون لها بقاء واستمرارية إذا لم يحك ظهر اقتصاداتنا بأظافر إسلامية تكد وتكدح وتنتمي بصدق للمرجعية الإسلامية كنظام حكم وسياسة واقتصاد.
وفي سؤالنا عما إذا كان الاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية قادرة على القيام بدور في حل أزمة الاقتصاد العالمي، يقول الدكتور ناصح "نعم إن الاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية الحقيقية ـ وليست مصرفية التحايل ـ قادرة على الإسهام في حل الأزمة العالمية ولكن بشروط وأدوات أهمها أولاً ضرورة صياغة السياسات الاقتصادية وفقا للضوابط الشرعية وفي برامج عملية متكاملة ومترابطة بمعني ترابط السياستين المالية والنقدية، وجوانب الاقتصاد المختلفة، ثانياً: الاستفادة من برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي ـ وإن كنا نخالفها في كثير من الأمور ـ برامج متكاملة ومترابطة وشاملة لجميع جوانب الاقتصاد وتحتوي على آليات للتطبيق، كما أنها ذات نظرة شمولية وعملية لبناء الاقتصاد، وهذه ما يمكن ضبطها بالضوابط والمعايير الإلهية، ثالثاً: تطبيق هذه السياسات على أرض الواقع ولو في دولة واحدة من الدول الإسلامية لكي تكون مثالا يحتذى به، رابعا: تصميم هذه البرامج ووضع آليات تنفيذها بإشراف البنك الإسلامي للتنمية بالتعاون مع المختصين في الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي والفقهاء في العالم الإسلامي، خامسا: تغيير النظم والقوانين والتشريعات التي تضبط العمل المصرفي في العالم الإسلامي وتأصيلها، وأخيراً تفعيل توصية المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الأخيرة التي أوصى فيها بتشكيل لجنة من الفقهاء والاقتصاديين في البنوك المركزية؛ لضبط الفتاوى الصادرة من البنوك والمؤسسات الإسلامية وعدم تضاربها وضبط الخلاف، حيث تكون هذه اللجنة مشرفة على اللجان الشرعية المنتشرة في البنوك وتلزمها باتباع ضوابط ومعايير معينة وبقرارات المجامع الفقهية وهيئات الفتوى المرجعية في العالم الإسلامي.
ويجيب نضال الغطيس عن السؤال نفسه قائلاً: إنه وعلى مستوى التنظير والطرح الموجود الآن فإن الاقتصاد الإسلامي لن يستطيع تقديم شيء، كما أنه لا يستطيع القيام بأي دور يذكر، وعلى العكس من ذلك يرى أننا من أكثر المتضررين من هذه الأزمة وذلك بحسب رأيه يرجع للتبعية شبه المطلقة لمنظومة الفكر الاقتصادي الغربي بأطروحاته وأدواته وآلياته وحتى دراسته وشهاداته. ويمضي الغطيس قائلاً: "إن تحمل مثل هذا الدور الثقيل يحتاج إلى مجهود جبار من المفكرين والسياسيين وأصحاب الأموال، كما أنه يتطلب الانعتاق من وطأة النظام الغربي بسلطانه وصولجانه وهذا يحتاج بداية إلى حرية وإرادة سياسية، وكذلك العودة للتوجيهات العامة والإشارات القائدة في قرآننا وسنة نبينا في الإنماء وكيفية "الاستعمار" الأمثل للأرض وهي ضوابط عامة دون الانعزال المطلق عن التجربة الحضارية للآخرين.
وعن الكيفية التي يمكن أن تقدم بها المؤسسات المالية الإسلامية حلولها ضمن نماذج عصرية تتناسب مع المفاهيم والمعتقدات الأخرى، يقول ناصح للأسف فإن معظم المنتجات الإسلامية في المصارف اليوم، ليست أصيلة إنما هي منتجات غربية ألبست لباسا إسلاميا من أجل التحايل في الغالب، وهذا النوع لا يصلح تقديمه للغرب لأنهم يعلمون أنه أتى منهم، لذلك يرى أن هناك حلين الأول هو ابتكار منتجات إسلامية صرفة وليس بالضرورة أن نسميها إسلامية ونقدمها للعالم، وقد يكون هذا أدعى لقبولها، الآخر أن نعمد إلى منتجاتهم ونضبطها بضوابط الشريعة ونخلصها مما علق بها من الحرام، لكن لا نسميها إسلامية بل نتركها كما هي حتى لا ننسب لأنفسنا شيئا لم نبتكره.
أما الغطيس فيقول: حينما نفكر في تقديم منتجات عصرية للعالم يجب أن نفكر في تقديم نماذج رائدة وعالمية، منتجات إنسانية يشترك فيها الجميع لأن هناك قواسم إنسانية مشتركة بين البشر، وهذا ما يجب أن يكون في حال المعايير والنظام الاقتصادي ما دام مع الضوابط الإسلامية، فالإنسانية كما يقول الغطيس شبكة مترابطة ومتراكمة ومستمرة من العلاقات، وستثبت المنتجات الاستثمارية الإسلامية مسؤوليتها والتزامها عندما تنضبط بضوابط الشرع وتقصد مقاصد الشرع وتكون رسالتها إنسانية، عندها تصبح سلعة دولية يتنافس الجميع على اقتنائها دون الحاجة لتسويقها بقوالب من الآيات والأحاديث.




طباعة 
