أخبار الموقع

لا يوجد مادة.

: مقالات اقتصادية
طباعة

  : مقالات اقتصادية
حكم أسعار صرف العملة في الشريعة الإسلامية
 

حكم  أسعار صرف العملة في الشريعة الإسلامية [1]

 

    بحث الفقهاء المتقدمون رحمهم الله تعالى مسائل كثيرة في النقود من أهمها مسألة كساد النقد وهو أن يترك التعامل بالنقد في جميع البلاد ، ومسألة انقطاع النقد وهو ألا يوجد النقد في السوق وإن وجد في يد الصيارفة والبيوت ، ومسألة غلاء النقود ورخصها  .  لكنهم لم يبحثوا حسب علمي مسألة تغيير قيمة العملة بقرار من الحاكم . مع ملاحظة أن تلك النقود تختلف اختلافا كبيرا عن النقود الورقية المعاصرة  . فقد كانت النقود القديمة نقودا معدنية كالدينار الذي كان يسك من الذهب ، والدرهم الذي كان يسك من الفضة ، وهما معدنان ثمينان يتميزان بثبات قيمتيهما نسبيا .

    يقول ابن القيم : " فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض ؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة  ، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره ؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس ، ويقع الخُلْف ، ويشتد الضرر ، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اُتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تُقوَّم به الأشياء ولا تُقوَّم هي بغيرها لصلح أمر الناس ".

    وهذا الكلام لابن القيم تضمن بيان مسائل مهمة وبخاصة وظائف النقود في الإسلام . أما رأيه بشأن ثبات قيمة النقد ، فهو رأي وجيه يمكن الأخذ به في حالة التعامل بالنقود المعدنية كالدينار والدرهم ، أو في حالة النقود الورقية المغطاة بالذهب غطاءا كاملا ، أما في حالة النقود الورقية غير المغطاة كما هو معمول به الآن ، فلا يمكن ذلك ؛ بسبب فك الارتباط بين الدولار والذهب ، ومثله بقية العملات .

   وقد بحث بعض الفقهاء المعاصرين مسألة أو موضوع تثبيت سعر الصرف أو ربطه بعملة ما ، حيث خرّجوا تثبيت سعر الصرف على التسعير، واختلفوا في حكمه بناء على الاختلاف في حكم التسعير على قولين :

القول الأول : عدم جواز تثبيت سعر صرف العملة ؛ لأنه من أنواع التسعير الظالم . فإلزام الناس وحجرهم على مقدار من السعر في الصرف لا يزيد ولا ينقص، من الفساد في الأرض ، ومن التعاون على الإثم والعدوان، وأكل الناس بعضهم أموال بعض بالباطل. كما استدل أصحاب هذا القول بحديث أنس رضي الله عنه  في امتناع النبي عليه الصلاة والسلام من التسعير .

    ويلزم من هذا القول جواز سعر الصرف الحر . وهو قول اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية ، حيث أفتت بجواز سعر الصرف الحر السائد في السوق السوداء التي يبيع فيها تجار العملة العملات ويشترونها بسعر السوق . واشترطت اللجنة في جواز ذلك الالتزام بضوابط الصرف في الشريعة الإسلامية . ومن المعلوم أن سعر السوق السوداء يختلف عن السعر الرسمي المثبت أو المحدد من الدولة.

القول الثاني : جواز تثبيت سعر صرف العملة وأنه من التسعير الجائز وعدم جواز مخالفة ذلك السعر في السوق السوداء  ، واستدلوا بأن طاعة ولي الأمر واجبة فيما ليس بمعصية . وكل من يسكن دولة فإنه يلتزم قولا وعملا ، بأنه يتبع نظمها ، ما دامت تلك الأنظمة لا تجبره على الوقوع في معصية دينية ، ومن تلك الأنظمة : وضع حد لسعر العملة . كما استدلوا بقاعدة " سد الذرائع " وذلك أن تسعير العملة يسد الباب أمام ما يحدث في السوق السوداء من تلاعب بالأسعار.

    والذي أراه أنه لا تعارض بين القولين بل يمكن حمل كل منهما على حالة معينة . فبناء على أن الأصل في النشاط الاقتصادي في الإسلام هو الحرية ، وأن الدولة لا تتدخل إلا عند الحاجة العامة ، ومن ذلك تدخلها في نظام الأسعار ومنها سعر العملة ، فإن سعر الصرف المتفق وهذا الأصل هو سعر الصرف الحر ، ثم عند الحاجة قد تأخذ الدولة الإسلامية بسعر الصرف المرن أو المدار ، وهو الذي تترك فيه العملة للعرض والطلب مع تدخل الدولة أحيانا إذا لزم الأمر في حالة التقلبات الشديدة التي تضر بمصالح الناس . ولكن حيث إن بعض الدول النامية ربما لا تستطيع الأخذ بنظام سعر الصرف المرن أو المدار ؛ لعدم توافر كمية كافية من النقد الأجنبي للدفاع عن سعر عملتها ، ولا يمكن لها الأخذ بمعدل الفائدة للتأثير في العرض من العملة والطلب عليها ومن ثم التأثير في سعرها ؛ لأن الفائدة من الربا المحرم بنصوص الكتاب والسنة كما جاء في قرارات المجامع الفقهية في هذا العصر ، ففي هذه الحالة يمكن القول بجواز ربط العملة بعملة قوية أو بسلة عملات مع تغييرها حسب الأوضاع الاقتصادية ؛ لأن ذلك من التسعير الجائز عند الحاجة العامة بصفة مؤقتة ، فإذا زالت تلك الحاجة وجب على الدولة الإسلامية الرجوع إلى سعر الصرف المرن وربما إلى سعر الصرف الحر إن أمكن .

    وإذا كان تثبيت سعر العملة على الدوام دون مراعاة الأحوال الاقتصادية ومراعاة وجود الحاجة من عدمها ، من التسعير الظالم الذي يجعل سعر العملة أكثر أو أقل من سعرها الحقيقي الذي يتحدد بقانون العرض والطلب ، فإن تغيير الدولة لذلك السعر واقترابها من السعر الحقيقي إنما هي خطوة على الطريق الصحيح ، والتغيير فيه مصالح ومفاسد ، إلا أن مصالحه في نظري أكثر من مفاسده ، فتقدم المصالح ، ويترجح عندي جواز تغيير الدولة لسعر عملتها ، إذا اقتضت الحاجة ذلك .   

   وإذا أردنا تطبيق ما تقدم لمعالجة وضع الريال السعودي يكون أمامنا أربعة بدائل كلها جائزة في الشريعة الإسلامية على النحو التالي :

1ـ بقاء الريال مربوطا بالدولار لكن مع رفع سعر صرف الريال مقابل الدولار ؛ ومن أضراره أنه  سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الصادرات السعودية وربما انخفاض الطلب عليها ، ومن فوائده انخفاض قيمة الواردات المشتراة بالدولار ومن ثم انخفاض التضخم المحلي ،  لكن الضرر الواقع على التجار خاص ، فيرتكب دفعا للضرر العام على الواقع على عموم المواطنين بارتفاع أسعار الواردات لو بقي سعر الصرف كما هو، كما أن هذا الإجراء سيخفض إيرادات الحكومة الناتجة من الصادرات ، لكن نظرا لوفرة الإيرادات النفطية يمكن تجاهل هذا الضرر.

2ـ ربط الريال بسلة عملات . وهو إجراء جيد وإن كان سيعرقل مسيرة الاتحاد النقدي الخليجي وتأخير الموعد المتفق عليه .

3ـ تحرير سعر صرف الريال وجعله خاضعا للعرض والطلب مع التدخل عند الحاجة . وهو ممكن في حالة وفرة الاحتياطات النقدية وتحسن ظروف النفط ، وصعب في حال تردي تلك الظروف .

4ـ تحرير سعر الريال دون تدخل وهذا صعب جدا حتى على الدول المتقدمة فما بالك بدولة نامية كالمملكة !

وإذا أردنا اختيار أسهل البدائل الجائزة شرعا للريال السعودي أمام المؤسسة فهو بقاء الريال مربوطا بالدولار ، لكن مع تجنب استعمال سعر الفائدة بوصفه من الربا المحرم ، وقد نص نظامها الأساسي على عدم جواز التعامل بالفائدة أو ما يعارض الشريعة الإسلامية في معاملتها . فنأمل من المؤسسة أن تتجنب استعمال سعر الفائدة، وتلجأ بدلا من ذلك إلى ما لديها من وفرة في العملات الصعبة للدفاع عن سعر صرف الريال  .

 

 

 

 

 



 [1] .مقالة للمشرف نشرت بتاريخ الأحد 20/ 12/ 1428هـ الموافق 30/ 12/ 2007 م بجريدة الاقتصادية العدد 5193 .





 
حقوق النشر والطبع © 1427هـ الإسلام و الاقتصاد . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2006 www.islamecon.com . All rights reserved