|
إلغاء دعم الأسعار
()
تطالب المنظمات الاقتصادية الدولية كالبنك الدولي للتعمير والتنمية، وصندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية ـ التي يمكن تسميتها منظمات العولمة الاقتصادية ـ بعدة سياسات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية في الدول النامية ، ومن تلك السياسات :إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه . فما معنى تلك السياسة ؟ وما حكمها في الشريعة الإسلامية ؟
فأقول : ينقسم الدعم إلى قسمين رئيسين :
1 ـ دعم الأسعار : وهو المال الذي تدفعه الحكومة للبائعين والمنتجين المحليين ؛ لتخفيض أسعار السلع والخدمات التي يعرضونها ، لكي تصبح ملائمة للناس جميعهم ، أو بغرض تشجيع قطاع من القطاعات الإنتاجية، لتمكين المنتجين المحليين من المنافسة في السوق الداخلية والتصدير إلى الأسواق الخارجية .
فالدعم إذن ، أو الإعانة كما يسمى أحيانا ، مساعدة تدفعها الدول النامية إما لأسباب اجتماعية فتخفض أسعار بعض السلع الضرورية اللازمة للمستهلكين ومنها السلع الاستهلاكية الأساسية مثل: الخبز ، والأرز، والسكر، والحليب ، والزيوت النباتية ، وبعض الخدمات كالكهرباء والمياه والوقود ، وإما لأسباب اقتصادية ، فتدفع تلك المعونة لمنتجي سلعة معينة لتمكينهم من منافسة السلع الأجنبية .
ويتخذ دعم الأسعار صورا عدة منها: الإعانات المباشرة للبائعين للبيع بسعر منخفض ، وإعانة الصادرات ، وفرض رسوم على الواردات لحماية الإنتاج المحلي ، وشراء الدولة للسلع من المنتجين بأسعار تشجيعية. وهدف الدول النامية من التدخل في نظام الأسعار ـ ومنه الدعم ـ هو الحد من آثار حرية عوامل العرض والطلب الضارة بمعيشة الفقراء وذوي الدخول المنخفضة، وذلك لأن قانون العرض والطلب لا يمكن الاعتماد عليه اعتمادا كاملا لتحقيق التوزيع الأفضل للموارد ؛ وقد يترتب عليه أحيانا إهمال المصلحة العامة .
2 ـ دعم الدخول وهو الدعم المدفوع للفقراء لزيادة دخولهم وتمكينهم من شراء لوازمهم الضرورية . ويتخذ عدة صور منها: المنح الدراسية ، وإعانات الإغاثة ، والإعانات التي تصرفها الحكومة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية ، والزكاة والصدقات التطوعية .
والدعم الذي تطالب منظمات العولمة الاقتصادية بإزالته أو تخفيضه هو دعم الأسعار فقط دون دعم الدخول . وهي تطالب بتخفيضه لتحقيق هدفين:
الأول : تقليص نفقات الدولة . فإزالة الدعم سيوفر على الدولة الأموال التي كانت تدفعها لدعم تلك السلع والخدمات ، مما يخفض النفقات في الموازنة العامة ، ويمكّن الدولة من توجيه تلك الأموال إلى مجالات أخر. الثاني : توزيع الموارد الاقتصادية توزيعا أفضل . ويزعم خبراء الصندوق وجود درجة كبيرة من الانحرافات في الأسعار النسبية في البلدان النامية ، بسبب تدخل الدولة الكبير في الاقتصاد ، الذي يؤدي إلى ظهور عدم التوازن على الصعيدين الداخلي والخارجي. كما يرى خبراء البنك الدولي أن سياسات الدعم تتطلب أموالا كثيرة، ولا تفيد الفئات الفقيرة غالبا ، بل تفيد الفئات ذات الدخل المرتفع والدخل المتوسط. ولا يمكن أن تكون سياسة دعم المستهلك مفيدة إلا إذا اقتصرت على الفئات ذات الدخل المنخفض ، مع إمكان السيطرة على أعباء ذلك الدعم وتحملها، دون اللجوء إلى وسائل تضخمية أو معرقلة لنظام الأسعار.
وبناء على ذلك يوصي خبراء الصندوق باتباع إجراءات منها : إزالة الدعم المدفوع لمنتجي المواد الغذائية الأساسية . وإزالة الدعم المدفوع للمنشآت الحكومية . كما طالبت منظمة التجارة العالمية بإلغاء الدعم ووسعت معناه ، ليشمل كل مساهمة مالية تدفعها الحكومة أو أية هيئة عامة، تتحقق منها منفعة لمن يحصل عليها . وقد تكون هذه المساهمة قروضا أو ضمانا لقروض، أو نزولا من الحكومة عن دخل ، كالإعفاءات الضريبية أو الجمركية ، أو تقديم خدمات أو سلع معينة ، أو شراء منتجات معينة.
وقد قسمت المنظمة الدعم إلى ثلاثة أقسام :
1ـ الدعم المحظور الذي يستدعي إجراءات مضادة . ومن أمثلته :
أ ـ دعم تشجيع الصادرات كضمان التصدير ، وفتح اعتمادات للتصدير بفائدة تقل عن فائدة اقتراض الحكومة ، واستعمال مواد مدعومة لإنتاج سلع تصديرية ، والإعفاء من الضرائب . ويستثنى من هذا الدعم المحظور: دعم الصادرات بالنسبة إلى الدول الأعضاء الأقل نموا وكذلك الدول النامية التي يقل متوسط دخل الفرد السنوي فيها عن 1000 دولار أمريكي.
ب ـ الدعم المشروط باستعمال مواد محلية في إنتاج السلع المحلية بدلا من المواد المستوردة.
2ـ الدعم المسموح به الذي قد يستدعي التقاضي ، وهو الدعم الموجه إلى سلعة أو خدمة أو صناعة أو قطاع أو منطقة معينة . ويكون هذا الدعم ضارا بمصالح الدول الأعضاء ويسوغ التقاضي وإقامة الدعوى في الحالات التالية :
أ ـ إذا تعدى هذا الدعم نسبة 5% من قيمة السلعة.
ب ـ إذا خصص هذا الدعم بتغطية خسائر المشروعات .
ج ـ إذا أعفت الحكومة المشروعات العامة من الديون المستحقة عليها.
أما ما تقدمه الدولة من دعم ضمن برامج الخصخصة للمساعدة على تأهيل المشروعات العامة للبيع أو لزيادة جاذبيتها للقطاع الخاص ، فلا يعد من الدعم الذي يسوغ التقاضي .
3ـ الدعم المسموح به الذي لا يستدعي إجراءات مضادة ولا يسوغ التقاضي ، مثل :
أ ـ دعم برامج البحوث والتطوير التي تؤديها الشركات أو تعهد بها إلى مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحوث .
ب ـ دعم المناطق الأقل نموا في الدولة .
ج ـ دعم تكييف مرافق الإنتاج لتتطابق مع المتطلبات الجديدة للبيئة .
وتطالب المنظمة الدول المتقدمة بتخفيض دعمها للإنتاج المحلي الزراعي بنسبة 20% وتخفيض دعمها للصادرات الزراعية بنسبة 36% خلال ست سنوات، وتطالب الدول النامية بتخفيض دعمها المحلي بنسبة 13% وتخفيض دعمها للصادرات بنسبة 24% خلال عشر سنوات، وتعفى الدول الأقل نموا من التخفيض .
ولا شك أن مسألة تحرير الأجور والأسعار وجعلها خاضعة للعرض والطلب ، يؤدي إلى توزيع الموارد الاقتصادية توزيعا أفضل . إلا أن بعض الإجراءات المقترحة كإلغاء الدعم وزيادة أسعار المنتجات العامة ، قد تؤدي إلى زيادة التضخم وليس إلى تخفيضه كما هو معلن ، وذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة من الناحية الاجتماعية ، إذا لم يصاحبه حلول وسياسات تخفف من وطأة هذه الإجراءات على الفئات الفقيرة في المجتمع ، وهو ما لا وجود له في سياسات منظمات العولمة الاقتصادية .
والذي أراه أن سياسة إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه ، لا تعارض الإسلام ؛ لأن الأصل في الإسلام هو عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا عند الحاجة. لكن يشترط لقبول هذه السياسة شرعا زيادة الدولة لدخول الفقراء ، زيادة تقابل أثر إلغاء دعم الأسعار ، وتمكنهم من تلبية حاجاتهم ، وذلك بتحويل الأموال التي كانت تدفع دعما للأسعار ، إلى زيادات في دخول الفقراء .
وأوصي بما يلي :
1 ـ فرض الزكاة على الأموال الزكوية جميعها ، بما في ذلك الأموال المستجدة التي أفتى العلماء بجواز أخذ الزكاة منها ، ودفع الزكاة إلى مصارفها الثمانية ، مع إعطاء الدولة الحق في جباية الأموال الباطنة وهي النقود وعروض التجارة على القول الراجح لأهل العلم . ولاشك أن العمل بالزكاة يعد بديلا للضرائب من ناحية حيث يؤدي دفع الزكاة إلى شريحة واسعة من المجتمع ، إلى توفير ما كان مخصصا للإنفاق على تلك الفئات من الموازنة العامة، مما يؤدي إلى تخفيف عجز تلك الموازنة، ومن ناحية أخرى يخفف من أثر إلغاء دعم الأسعار .
2 ـ تطوير المؤسسات الوقفية من جهة أنظمتها واستثمار مواردها ؛ مما يزيد من ريعها وتغطيتها لأوجه كثيرة من مجالات الوقف ، ويخفف أيضا من أثر إلغاء دعم الأسعار . كما يؤدي من ناحية أخرى إلى تخفيف عجز الموازنة العامة بإبقاء الأموال التي كانت ستدفع من الموازنة العامة إلى تلك الجهات الخيرية .
()مقالة للمشرف نشرت في جريدة الحياة بتاريخ 6/ 10/ 1427هـ الموافق 5/ 10/ 2006م.
|