أخبار الموقع

لا يوجد مادة.

: مقالات اقتصادية
طباعة

  : مقالات اقتصادية
حكم الفائدة المصرفية
 

 

حكم الفائدة المصرفية

 

     نشرت صحيفة الحياة في عددها 15915 يوم الثلاثاء 9 شوال 1427هـ الموافق 31 أكتوبر 2006 م مقابلة مع الدكتور عبد العزيز الدخيل قال فيها : " صحيح أن هناك نصا دينيا يحرم الربا وهذا لا غبار عليه ، لكن هناك اختلافا في مفهوم الربا . هل ما تقوم به المصارف الربا نفسه الذي كان على أيام الرسول ؟ هل ما يسمى الآن بسعر الفائدة هو فعلا الربا ؟ هنا الإشكالية ... إلخ " . فأقول ليس هناك إشكالية ولا اختلاف معتبر ، بل المجامع الفقهية التي تمثل الأمة في هذا العصر قد حسمت ما وجد من خلاف في هذه المسألة ، واتفقت على أن الفوائد المصرفية المعاصرة هي الربا المحرم بنصوص الكتاب والسنة . وحيث إن الفائدة المصرفية تتنوع بحسب المعاملة المرتبطة بها ، فإن بيان الحكم يتطلب بيان حكم أنواع الفوائد على أهم المعاملات المصرفية مثل : الودائع، والقروض ، وخطابات الضمان ، والاعتماد المستندي ، وحسم ( [1]) الأوراق التجارية.

 

أولا : حكم فوائد الودائع المصرفية :

 

    الوديعة المصرفية هي " النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك ، على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساو لها إليهم ، أو إلى شخص آخر معين لدى الطلب أو بالشروط المتفق عليها " ([2]) . وتدفع البنوك الربوية فوائد على نوعين من الودائع هما ([3]) :

النوع الأول: الودائع أو الحسابات الادخارية ؛ وهي الودائع التي يحق لصاحبها سحبها بعد مدة قصيرة من إبلاغ البنك بذلك . 

النوع الثاني: الودائع أو الحسابات لأجل ؛ وهي الودائع التي لا يحق لصاحبها سحبها إلا بعد مدة طويلة ، قد تكون : ثلاثة أشهر ، أو ستة أشهر، أو أكثر من ذلك .

    وفيما يتعلق بحكم فوائد الودائع ، قرر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بالإجماع في مؤتمره الثاني عام 1385هـ 1965م أن : "الحسابات ذات الأجل ، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة ، كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة " ( [4]).

    وسبب التحريم أن الودائع المصرفية تُخرج على أنها قروض ؛ وهو ما يتفق وتعريفها المتقدم . فعبارة " يرد مبلغ مساو لها " في التعريف تعني أنها قرض ؛ لأن القرض يرد بمثله . وهذا هو ما أفتى به مجمع الفقه الإسلامي في الدورة التاسعة المنعقدة عام 1415 هـ حيث اتخذ قرارا جاء فيه ([5]):

" ـ الودائع تحت الطلب ( الحسابات الجارية ) سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أم البنوك الربوية ، هي قروض بالمنظور الفقهي ، حيث إن المصرف المتسلم لهذه الودائع ، يده يد ضمان لها ، وهو ملزم شرعا بالرد عند الطلب ، ولا يؤثر على حكم القرض ، كون البنك المقترض مليئا .

ـ الودائع التي تدفع لها فوائد ، كما هو الحال في البنوك الربوية هي قروض ربوية محرمة ، سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية ) ، أم الودائع لأجل ، أم الودائع بإشعار ، أم حسابات توفير " .

   وقد استدل فقهاء المجمع على هذا التخريج بما يلي :

1ـ أن الزبير رضي الله عنه كان يأتيه الرجل بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا ، ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة ([6]) . وجه الدلالة أن الزبير رضي الله عنه جعل تلك الأموال قروضا مع ضمانها ، وهو حقيقة الودائع المصرفية المعاصرة .

2ـ قاعدة " المعروف عرفا كالمشروط شرطا "  .  فالبنك يستقبل هذه الأموال بقصد استغلالها وتملكها ، ونظامه الأساسي ينص على ذلك ، والمودع يعلم أن البنك يخلط هذه الأموال بغيرها ويلتزم برد مثلها ، وهذا هو حقيقة القرض ، وقد تعارف الناس على ذلك ، فهو كالشرط بينهم .

    وإذا كانت الودائع المصرفية تخرج على أنها قروض ، فلا يجوز للبنوك دفع فائدة على هذه القروض عند استقبالها ؛ لإجماع العلماء على أن كل قرض جر نفعا فهو ربا ([7]) .

 

ثانيا : حكم الفوائد على القروض المصرفية :

 

    عندما يستقبل البنك الودائع فإنه يقرضها لأشخاص أو مؤسسات أو شركات سواء كان قرضا استهلاكيا لبناء منزل مثلا ، أم قرضا إنتاجيا لإنشاء مشروع ما ، ويأخذ البنك من المقترض فائدة أعلى من الفائدة التي أعطاها للمدخر ، والفرق بينهما هو ربحه في هذه المعاملة. 

وحكم هذه الفوائد التي يأخذها البنك عند إقراضه هذه الأموال هو التحريم لأنها ربا . فقد قرر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر في مؤتمره السابق أن "الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين " ([8]) .

    كما أصدر مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره الثاني بجدة ، في عام 1406هـ الموافق 1985م قرارا بشأن حكم الفوائد التي يأخذها البنك على القروض وعلى الديون المتأخرة ، جاء فيه: " أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله ، وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله ، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد ، هاتان الصورتان ربا محرم شرعا " ([9]).

    ومن الأدلة التي استدل بها فقهاء المجمع لهذا الحكم ما يلي :

1ـ قوله تعالى : â šúïÏ%©!$# tbqè=à2ù'tƒ (#4qt/Íh9$# Ÿw tbqãBqà)tƒ žwÎ) $yJx. ãPqà)tƒ Ï%©!$# çmäܬ6ytFtƒ ß`»sÜø¤±9$# z`ÏB Äb§yJø9$# 4 y7Ï9¨sŒ öNßg¯Rr'Î/ (#ûqä9$s% $yJ¯RÎ) ßìøt7ø9$# ã@÷WÏB (#4qt/Íh9$# 3 ¨@xmr&ur ª!$# yìøt7ø9$# tP§xmur (#4qt/Íh9$# á[10] .

    قال الجصاص : " والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله ، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل ، بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به " ثم قال : " ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا، من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة " . وقال أيضا : " معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ، فكانت الزيادة بدلا من الأجل " ([11]) .

    وقال الفخر الرازي : " أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإذا تعذر عليه الأداء ، زادوا في الحق والأجل " ([12]) .

    فهذا كلام صريح بأن الزيادة في القرض عند العقد ، هي من ربا الجاهلية المحرم بنصوص القرآن الكريم ومنها الآية السابقة ([13]) ، وأن ربا الجاهلية كان قرضا بزيادة ، أو زيادة في الدين عند حلول الأجل ، إذا لم يكن عند المدين ما يفي به ، ثم تكرر الزيادة بتكرار التأخير في الأجل . وعلى هذا فحكم الزيادة في القرض عند العقد الأول ـ ربا القرض ـ وحكم الزيادة بعد حلول الأجل ـ ربا الجاهلية ـ واحد ، فربا القرض من ربا الجاهلية ، والنوعان يطلق عليهما ربا الديون ، ويطلق عليهما ربا النسيئة ([14]).

2ـ قوله عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :"وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله " ( [15]) .

    وجه الدلالة أن هذا الحديث مؤكد لما في القرآن من تحريم أخذ زيادة على رأس المال . 

3ـ إجماع علماء الأمة على أن كل قرض جر نفعا فهو ربا .

 

 

مقالة للمشرف نشرت في جريدة الحياة بتاريخ 16/ 10/ 1427هـ الموافق 7/ 11/ 2006م العدد 15922.

 

     



([1])شاع استعمال لفظة " خصم " مع أنها لا تصح في اللغة العربية بهذا المعنى ، وإنما الصحيح هو لفظة " حسم " .

([2])عمليات البنوك من الوجهة القانونية ، لعلي بن جمال الدين عوض ، ص 30 ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1981م .

([3]) النقود والبنوك والاقتصاد : وجهة نظر النقديين ، لباري سيجل ، ترجمة : طه بن عبد الله بن منصور وعبد الفتاح بن عبد الرحمن بن عبد المجيد ، ص 120 ، دار المريخ ، الرياض، 1407هـ ( 1987م ) .

([4]) التوجيه التشريعي في الإسلام  ، من بحوث مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية  بالأزهر،  ج 2 ، ص 169 .

([5]) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ، ص 290 ـ 291 .

([6])أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب فرض الخمس ، باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر ، ص 518 .

([7])الإجماع ، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ، ص 136 ، مكتبة الفرقان ، عجمان ، ط2 ، 1420هـ ( 1999م ).

([8])التوجيه التشريعي في الإسلام ، مرجع سابق، ج 2 ، ص 168 .

([9])قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ، ص 62.

([10]) سورة البقرة ، آية 275.

([11])أحكام القرآن ، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص ، ج 1 ، ص 456 ، دار الكتاب العربي ، طبعة عصرية عن الطبعة الأولى بمطبعة الأوقاف الإسلامية في دار الخلافة ، 1335هـ .

([12])مفاتيح الغيب المشهور بالتفسير الكبير ، لفخر الدين الرازي ، م 4 ، ج 7 ، ص 92 ، دار الفكر .

([13]) حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد ، لحسن بن عبد الله الأمين ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، ع 2 ، ج 2 ، ص 798 .

([14]) حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد ، للصديق محمد بن الأمين الضرير ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، ع 2 ، ج 2 ، ص 737 ـ 738.

([15])أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، ص 515.

([16]) خطابات الضمان ، لعلي بن جمال الدين بن عوض ، ص 11، دار النهضة العربية ، القاهرة  ، 2000م .

([17]) الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة ، لعبد الله بن محمد السعيدي ، م1 ، ص 356 ، دار طيبة ، الرياض ، ط 1 ، 1420هـ (1999م).

([18]) الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية ، لعمر بن عبد العزيز المترك ، ص 386 ، دار العاصمة ، الرياض ، ط2 ، 1417هـ .

([19]) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ، ص 65 ـ 66.

([20])تقدم أن الصواب " بحسمها " .

([21]) الاعتمادات المستندية  ، لعلي بن جمال الدين بن عوض ، ص 11، دار النهضة العربية، القاهرة ، 1989م .

([22])المعاملات المصرفية والتحويلات المصرفية ، ضمن : أبحاث هيئة كبار العلماء ، م 5، ص 321 . والربا والمعاملات الصرفية ، للمترك ، مرجع سابق ، ص 402 . والبنوك الإسلامية بين النظرية والتطبيق ، لعبد الله الطيار ، ص 148 ، إصدار نادي القصيم الأدبي ببريدة  ، 1408هـ .

([23]) معجم المصطلحات الاقتصادية والإسلامية ، لعلي الجمعة ، العبيكان ، الرياض ،ص 9.

([24])معجم المصطلحات التجارية والمالية والمصرفية ، لأحمد بن زكي بدوي وصديقة بنت يوسف بن محمود، ص 40 ، دار الكتاب المصري ، القاهرة ، ط 1 ، 1414هـ ( 1994م).

([25])معجم المصطلحات الاقتصادية والإسلامية ، للجمعة ، مرجع سابق ، ص 327.

([26]) المرجع السابق ، ص 345 .

([27])الربا والمعاملات الصرفية ، للمترك ، مرجع سابق ، ص 394 .

([28]) معجم المصطلحات الاقتصادية والإسلامية ، للجمعة ،مرجع سابق ،  ص 233، 234 .

([29])حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد ، للضرير ، مرجع سابق ، ص 743 .

([30]) الموسوعة الفقهية ، الطبعة التمهيدية ، نموذج 3 ، ص 242ـ 243.

([31])حاشية الدسوقي ( محمد بن أحمد بن عرفة ) على الشرح الكبير ( للعدوي المشهور بالدردير)، ج 4 ، ص 101 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1417هـ (1996)م.

([32])قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، ص 327ـ 328 ، 1422هـ ( 2001م ) .

([33])الربا والمعاملات المصرفية ، للمترك، مرجع سابق ، ص 285 ـ 306 . وكذلك: بيع الكالئ بالكالئ " بيع الدين بالدين " في الفقه الإسلامي ، لنزيه بن كمال بن حماد ، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي ، جامعة الملك عبد العزيز ، جدة ، 1986م . وبيع الدين ، للصديق محمد الأمين الضرير ، ص 15 ـ 70 ، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، ع 13 ، 1421 هـ ( 2000) م ، رابطة العالم الإسلامي ، مكة المكرمة . 

([34])بيع الدين ، للضرير ، مرجع سابق ، ص 28 ، 29 .

([35])أخرجه أحمد في مسنده .

([36])الربا والمعاملات المصرفية ، للمترك ، مرجع سابق ، ص 289.

([37])أخرجه الدارقطني في سننه .

([38])النهاية في غريب الحديث والأثر ، لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير ، حرف الكاف ، مادة : كلأ ، دار ابن الجوزي ، الدمام ، ط 2، 1423هـ .

([39])مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، م 29 ، ص 472 .





 
حقوق النشر والطبع © 1427هـ الإسلام و الاقتصاد . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2006 www.islamecon.com . All rights reserved