|
أهم شبه الإرهابيين والرد عليها
إعداد الدكتور : ناصح بن ناصح المرزوقي البقمي
نشر هذا البحث بالمجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض في ربيع الآخر 1429هـ العدد 46 .
الفهــــرس
الموضوع الصفحة
المقدمة 2
المبحث الأول : شبهة تكفير الحكومات العربية والإسلامية 3
الرد على الشبهة من عدة أوجه :
الوجه الأول : الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل 4
الوجه الثاني : عدم جواز الخروج على الحاكم إلا في حال الكفر الأكبر 6
الوجه الرابع : المسلمون لا يجاهد بعضهم بعضا 8
المبحث الثاني : شبهة إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب 9
الرد على الشبهة من عدة أوجه :
الوجه الأول : حكم إقامة المعاهدين في بلاد المسلمين 10
الوجه الثاني : بيان أقسام المعاهدين في الإسلام 14
الوجه الثالث : الإسلام يحث على الوفاء بالعهود وعدم نقضها 17
الوجه الرابع : شروط نصرة المعتدى عليهم من المسلمين 19
المبحث الثالث : شبه تتعلق بالجهاد 20
الرد على الشبه من عدة أوجه :
الوجه الأول : الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين 22
الوجه الثاني : الجهاد لا يجب إلا مع الاستطاعة 23
الوجه الثالث : قصة أبي بصير ليست دليلا للإرهابيين 25
الوجه الرابع : عدم جواز قتل المدنيين 26
الخاتمة : النتائج والتوصيات 28
قائمة المراجع 30
المقدمـــــــــة
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . أما بعد : فقد عرّف مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي الإرهاب بأنه : "العدوان أو التخويف أو التهديد مادياً أو معنوياً الصادر من الدول أو الجماعات أو الأفراد على الإنسان ، في دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله أو ماله بغير حق بشتى صنوف العدوان وصور الإفساد في الأرض "(). ومن ناحية الحكم فقد أصدر هذا المجمع قرارا بتحريم الإرهاب بجميع صوره كما حرمه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي () ، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ()، كما شخصت هذه المجامع أسباب المشكلة وحلولها بما يعد خلاصة لما توصلت إليه كثير من الدراسات والمؤتمرات والندوات بخصوص تلك المشكلة .
ومع كثرة ما قدم في المشكلة من الدراسات من أجل الوصول إلى حلول ناجعة لها ، إلا أنها لا زالت مستمرة ؛ لأن أهم أسبابها وهو الشبه التي تعشعش في أذهان أولئك الإرهابيين، التي تُحسِّن لهم أعمالهم وتصورها لهم أنها جهاد في سبيل الله جزاؤه الجنة لم يعالج في نظري علاجا شافيا. فتلك الشبه لم تلقَ حقها من البحث والتمحيص والتفنيد ، حيث طُرق بعضها في صفحات قليلة ضمن موضوع الإرهاب الكبير المتشعب ، بينما بقي بعضها بلا بحث ، فكان من الواجب على أهل العلم التصدي لتلك الشبه وجمعها وتفنيدها والرد عليها ؛ إبراء للذمة ونصحا للأمة . وهذا ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع إسهاما في معالجة المشكلة التي تهم أمتنا جميعا ، وتعد من أكبر الأخطار التي تواجهها . ولأن موضوع الإرهاب قد درس في معظم جوانبه ، فقد اقتصرت في هذا البحث على الجانب الذي أرى أنه لم يأخذ حقه من البحث وهو الشبه والرد عليها دون التطرق للجوانب التي بحثت .
وقد قسمت هذا البحث بعد هذه المقدمة إلى ثلاثة مباحث وخاتمة. ففي المبحث الأول بيّنت الردود على شبهة تكفير الحكومات العربية والإسلامية، وفي المبحث الثاني بيّنت الردود على شبهة وجوب إخراج اليهود والنصارى المعاهدين من جزيرة العرب ، وفي المبحث الثالث بيّنت الردود على الشبه التي تتعلق بالجهاد ، وأما الخاتمة ففي النتائج والتوصيات . وأسأل الله أن ينفع أمتنا بهذا البحث ، وأن يجعله خالصا لوجهه العظيم صوابا على سنة نبيه الكريم().
المبحث الأول
شبهة تكفير الحكومات العربية والإسلامية
يرى الإرهابيون أن الحكومات العربية والإسلامية التي لا تطبق الشريعة الإسلامية ، حكومات كافرة كفرا أكبر في نظرهم ، وينبغي جهادها حتى تحكم بالشريعة الإسلامية . وترتب على هذه الشبهة تكفير المحكومين () الذين يرضون بفعل أولئك الحكام واستباحة دماءهم وأموالهم (). ومن أدلتهم على ذلك ما يلي:
5 ـ حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب، يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره . ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ().
إذن ، الحكم بغير ما أنزل فيه تفصيل ؛ فمنه كفر أكبر ومنه كفر أصغر ، والذي يحدد هذا الشيء ، هم العلماء الربانيون الراسخون في العلم ، وهم لا يلجأون إلى التكفير إلا في أضيق نطاق ، وعندما تتوافر شروطه كالبلوغ والعقل ، وتنتفي موانعه كالجهل ، والإكراه ، والتأويل ونحو ذلك ، وبخاصة ما يلي ():
الوجه الرابع : المسلمون لا يجاهد بعضهم بعضا :
فحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المتقدم الذي استدل به الإرهابيون على استحلال قتال المسلمين سواء كانوا حكاما أو محكومين ونصه : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب ، يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره . ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". لا يُسَلَّم للإرهابيين الاستدلال به لما يلي :
1ـ أن ما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان ، فهو حيث لا يلزم منه إثارة فتنة . على أن هذا الحديث مَسُوق فيمن سبق من الأمم ، وليس في لفظه ذكر لهذه الأمة ().
2ـ الجهاد المشار إليه ليس قتالا وإنما أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر للذين يرتكبون المعاصي ، فهو جهاد بمعناه الواسع .
3ـ أن عبارة " وليس وراء ذلك حبة خردل " لا تعني انتفاء الإيمان بالكلية والانتقال إلى الكفر كما هو معتقد الخوارج والمعتزلة ، وإنما تعني نفي الإيمان الكامل كما هو معتقد أهل السنة والجماعة في مثل تلك النصوص .
4ـ أن الجهاد شرع لقتال الكفار المحاربين ولم يشرع لقتال الحاكم الذي لم يصدر منه كفر أكبر ولا لقتال المسلمين الذين لم يبغوا على ولي الأمر .
المبحث الثاني
شبهة وجوب إخراج اليهود والنصارى
من جزيرة العرب
يرى الإرهابيون وجوب إخراج اليهود والنصارى وسائر المشركين من جزيرة العرب ولو كانوا معاهدين لنا وتربطنا مع دولهم علاقات دبلوماسية ، ويرتبون على ذلك جواز خطفهم وقتلهم رجالا ونساء . واستدلوا بما يلي :
أ ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث منها : "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ().
ب ـ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما" () .
وجه الدلالة من الحديثين عند الإرهابيين هو أن المقصود بالإخراج هنا هو عدم جواز إقامة اليهود والنصارى في جزيرة العرب ، سواء كانت إقامة دائمة أم مؤقتة.
ج ـ احتجوا بأن الدول غير الإسلامية إذا اعتدت على دولة إسلامية فإن عهدها مع بقية الدول الإسلامية يبطل وتكون محاربة لها ويصبح رعاياها عندها مهدري الدم يجوز لنا قتلهم وخطفهم ونحو ذلك ().
والرد على هذه الشبهة من عدة أوجه :
الوجه الأول : حكم إقامة المعاهدين في بلاد المسلمين :
إقامة المعاهدين في أرض المسلمين ، يمكن التفصيل فيها على النحو التالي :
1 ـ حرم مكة : اختلف الفقهاء في دخول المعاهدين له على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز دخولهم ومن باب أولى إقامتهم فيه . وهو قول الجمهور : من الشافعية () والحنابلة () . واستدلوا بقوله تعالى :
â $yg•ƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#ûqãZtB#uä $yJ¯RÎ) šcqä.ÎŽô³ßJø9$# Ó§pgwU Ÿxsù (#qç/uø)tƒ y‰Åfó¡yJø9$# tP#uysø9$# y‰÷èt/ öNÎgÏB$tã #x‹»yd 4 ÷bÎ)ur óOçFøÿ½z Z's#øŠtã t$öq|¡sù ãNä3‹ÏZøóムª!$# `ÏB ÿ¾Ï&Í#ôÒsù bÎ) uä!$x© 4 žcÎ) ©!$# íOŠÏ=tæ ÒOŠÅ6xm á .
والمسجد الحرام هو حرم مكة بكامله () .
القول الثاني : يجوز دخولهم الحرم المكي ولا يجوز دخولهم المسجد الحرام . وهو قول المالكية (). واستدلوا بالآية السابقة متأولين المسجد الحرام بأنه خصوص المسجد دون بقية الحرم () .
القول الثالث : يجوز دخولهم حرم مكة والمسجد الحرام . وهو قول الحنفية (). واستدلوا بأدلة أهمها : حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال يوم فتح مكة : " ومن دخل المسجد فهو آمن " قال : فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد () . قالوا فقد جعل المسجد الحرام مأمنا ودعا كفار مكة إلى دخوله ، وما كان عليه الصلاة والسلام ليدعو إلى الحرام . وأما النهي عن قربان المسجد الحرام في الآية فهو نهي عن دخول مكة للحج لا عن دخول المسجد الحرام نفسه () .
والراجح هو القول الأول ؛ أي عدم جواز دخول المعاهدين الحرم ومن باب أولى عدم جواز إقامتهم فيه ؛ لما يلي :
أ ـ أن معنى المسجد الحرام في الآية عند معظم المفسرين هو الحرم كله.
ب ـ أن في الآية قرينة تدل على ذلك وهي قوله تعالى :" ÷bÎ)ur óOçFøÿ½z Z's#øŠtã t$öq|¡sù ãNä3‹ÏZøóムª!$# `ÏB Ï&Í#ôÒsù " والعيلة هي الفقر ، والخوف منها إنما هو بسبب منع تجار المعاهدين من دخول الحرم بكامله والبيع فيه ، أما منعهم من دخول المسجد فلا يؤدي إلى العيلة .
2 ـ جزيرة العرب : يجوز دخول المعاهدين جزيرة العرب بما في ذلك الحجاز ـ سوى حرم مكة ـ للتجارة أو لغيرها ؛ ويمكن أن يقيموا فيها إقامة مؤقتة بحسب الحاجة التي جاءوا من أجلها ؛ لأن الإسلام قد أباح البيع والشراء من المعاهدين . فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يبيع ويشتري منهم كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم " اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه " () . ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند ذلك اليهودي ؛ مما يدل على جواز معاملة المعاهدين في جزيرة العرب بعد موته. ولأن النصارى كانوا يتجرون في المدينة وغيرها على زمن عمر رضي الله عنه () . واختلف الفقهاء في حكم استيطان المعاهدين في جزيرة العرب استيطانا دائما على قولين :
القول الأول: لا يجوز استيطان المعاهدين جزيرة العرب كلها ، استيطانا دائما . وهو قول الحنفية () والمالكية (). واستدلوا بأدلة أهمها :
أ ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث منها : "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ().
ب ـ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما" (). وجه الدلالة من الحديثين هو أن المقصود بالإخراج هنا هو عدم الإقامة الدائمة في جزيرة العرب كلها .
القول الثاني: لا يجوز استيطان المعاهدين الحجاز فقط استيطانا دائما ويجوز في غيره ، وهو قول الشافعية والحنابلة . واستدلوا بأدلة أهمها :
أـ حديث أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب " () .
قال ابن قدامة : " فأما إخراج أهل نجران منه ؛ فلأن النبي عليه الصلاة والسلام صالحهم على ترك الربا ، فنقضوا عهده ، فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز ، وإنما سمي حجازا ؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد ، ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما ؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك " () . وقال الرملي : " وليس المراد جميعها ، بل الحجاز منها ؛ لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها " () .
ب ـ أن النبي عليه الصلاة والسلام أقر بقاء اليهود في اليمن وهي من جزيرة العرب .
والذي يظهر لي أن سبب الخلاف ليس الاختلاف في المقصود بجزيرة العرب، فإنها معروفة عند الجميع ، إنما سبب الخلاف هو تعارض الأحاديث في ذلك . والراجح هو القول الأول وهو عدم جواز استيطان المعاهدين في جزيرة العرب كلها استيطانا دائما ؛ لما يلي ():
أـ أن الأحاديث السابقة فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب ، والحجاز بعض جزيرة العرب ، فذكر الحجاز في حديث أبي عبيدة لا يعني عدم وجوب إخراجهم من سائر جزيرة العرب ، وإنما هو زيادة في تأكيد إخراجهم لا أنه تخصيص أو نسخ ، لما تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص () .
ب ـ أن حديث أبي عبيدة فيه الأمر بإخراج يهود نجران وليس نجران من الحجاز ، فلو كان لفظ الحجاز مخصصا للفظ جزيرة العرب على انفراده أو دالا على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط ، لكان في ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض ، وذلك باطل .
ج ـ وأما القول بأن النبي عليه الصلاة والسلام أقرهم في اليمن ، فهذا كان قبل أمره عليه الصلاة والسلام بإخراجهم فإنه كان عند وفاته .
د ـ أن مفهوم المخالفة في حديث أبي عبيدة المصرح فيه بلفظ الحجاز، معارض لمنطوق حديث ابن عباس وحديث عمر المصرح فيهما بلفظ جزيرة العرب ، والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في علم الأصول ().
وينبغي هنا التنبيه إلى ما يلي :
أ ـ أن المخاطب بالإخراج هم ولاة الأمر وليس العامة ، بدليل أن أفراد الصحابة رضي الله عنهم لم يخرجوا غير المسلمين من جزيرة العرب ، إنما الذي أخرجهم هو ولي الأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نهاية ولايته .
ب ـ أن الأمر في الحديثين ورد بالإخراج ولم يرد بالقتال .
ج ـ أن الأمر منوط بالمصلحة . فإذا كانت مصلحة المسلمين تستدعي بقاء غير المسلمين في جزيرة العرب أبقاهم ولي الأمر ، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أبقى يهود خيبر ، وبدليل أن الصديق رضي الله عنه لم يخرجهم ، وبدليل أن عمر رضي الله عنه أبقاهم في صدر خلافته .
د ـ أن الإخراج منوط بالقدرة . فإن توافرت القدرة لدى ولي الأمر وكانت المصلحة تستدعي إخراجهم ، أخرجهم . وإن كانت المصلحة تستدعي إخراجهم ، ولكن ليس لدى ولي الأمر قدرة على إخراجهم ، فله أن يبقيهم لقوله تعالى : â (#qà)¨?$$sù ©!$# $tB ÷Läê÷èsÜtFó™$# á () .
3 ـ ما سوى جزيرة العرب يجوز المعاهدين دخوله والإقامة فيه إقامة دائمة أو مؤقتة، أي سواء كانوا أهل ذمة أم مستأمنين .
والخلاصة أن الراجح هو عدم جواز إقامة المعاهدين في مكة وحرمها سواء إقامة دائمة أم مؤقتة ، وما سواها من جزيرة العرب بما فيه بقية الحجاز تجوز فيه الإقامة المؤقتة دون الدائمة ، وما سوى جزيرة العرب تجوز فيه الإقامة الدائمة والمؤقتة ().
إذا تبين هذا فإن هذه الشبهة تزول بالكلية ؛ لأن الأحاديث التي استدل بها الإرهابيون إنما هي في عدم جواز الإقامة الدائمة في جزيرة العرب، أي لا يكون اليهود والنصارى أهل ذمة في جزيرة العرب ، أما الإقامة المؤقتة في جزيرة العرب فلم يقل بمنعها ـ حسب علمي ـ أحد من علماء الأمة المتقدمين أو المتأخرين . وبناء عليه فإن إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب إقامة مؤقتة بأمان أو عهد أو صلح جائزة شرعا وكفلها لهم الإسلام بوصفهم معاهدين ، وبخاصة إذا كانت تربطنا بهم علاقات دبلوماسية ومعاهدات واتفاقيات.
الوجه الثاني : بيان أقسام المعاهدين في الإسلام :
ينقسم المعاهدون في الإسلام إلى قسمين () :
القسم الأول : معاهدون مقيمون إقامة دائمة بين المسلمين في غير جزيرة العرب وهم أهل الذمة . والذمة هي العهد . وهي : " إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة " () . فعقد الذمة يصير بمقتضاه غير المسلم في عهد المسلمين وأمانهم على وجه التأبيد والدوام . وهم موجودون في هذا العصر في كثير من البلاد الإسلامية خارج جزيرة العرب في العراق والشام ومصر والمغرب وغيرها من الأقاليم الإسلامية .
القسم الثاني : معاهدون مقيمون إقامة مؤقتة وهم المستأمنون . والمستأمنون في اصطلاح الفقهاء ينقسمون إلى الأقسام التالية :
1 ـ الستأمنون بالعرف والعادة وهم الدبلوماسيون والرسل ونحوهم كالمستأمنين بالتبعية وهم أولاد الدبلوماسيين وزوجاتهم حيث يدخلون في عقد الأمان تبعا لمن يعولهم . وكانت الرسل قبل الإسلام تحترم ولا يعتدى عليها ، فلما جاء الإسلام أقر هذه القاعدة ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحبس الرسل والمبعوثين كما يفعل الإرهابيون في هذا الزمن ، بل يحترمهم ويصون دماءهم وأموالهم لأنهم معاهدون . ومما يدل على ذلك ما يلي :
أـ ما رواه نعيم بن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما ـ يعني رسولي مسيلمة ـ حين قرأ كتاب مسيلمة : ما تقولون أنتما ؟ قالا : نقول كما قال. قال : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" () .
ب ـ ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ دخل هذا ـ رسول مسيلمة واسمه عبد الله ابن نواحة ـ ورجل ، وافدين من عند مسيلمة ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهدان أني رسول الله ، فقالا : تشهد أنت أن مسيلمة رسول الله ؟ فقال : آمنت بالله ورسله ، لو كنت قاتلا وفدا لقتلتكما " ().
ج ـ ما رواه أبو رافع رضي الله عنه قال : بعثتني قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتيته وقع في قلبي الإسلام ، فقلت : يا رسول الله لا أرجع إليهم، فقال : إني لا أخيس بالعهد ( أي لا انقض العهد ) ، ولا أحبس البرد ( أي الرسل) ارجع إليهم ، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع " () .
2ـ اللاجئون وهم الذين يعطون الأمان المؤقت . واللاجئ أو المستجير يعد من المستأمنين عند الفقهاء ، وهو الذي يلجأ إلى المسلمين من الكفار المحاربين ، بصفة مؤقتة بغرض الحماية، ويحصل على الجوار من المسلمين ، ومنه ما يسمى بلغة العصر باللجوء السياسي . والأمان : عبارة عن تأمين الكافر مدة محدودة ؛ أي يؤمن حتى يبيع تجارته ، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع ، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع ، وهذا التأمين ليس عقدا بل أمان فقط ، ولهذا صح من كل إنسان حتى من امرأة () . وقد اعتنى الإسلام باللاجئين وبخاصة السياسيين منهم . ومن الأدلة على ذلك ما يلي :
أـ قوله تعالى : â ÷bÎ)ur Ó‰tnr& z`ÏiB šúüÏ.ÎŽô³ßJø9$# x8u‘$yftFó™$# çnöÅ_r'sù 4Ó®Lxm yìyJó¡o„ zN»n=x. «!$# ¢OèO çmøóÏ=ö/r& ¼çmuZtBù'tB 4 y7Ï9¨sŒ öNåk®Xr'Î/ ×Pöqs% žw šcqßJn=÷ètƒ ÇÏÈ á .
يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ولإمام المسلمين من بعده ، وإن أحد من المشركين ، الذي أمرت بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم استجارك أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله ، ثم أبلغه مأمنه ، أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه (). وهذا في شأن الكافر الحربي فما بالك بالكافر المعاهد عموما؟ لا شك أن الجوار أو الأمان يتأكد في حقه .
ب ـ ما روته أم هانئ رضي الله عنها قالت: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ... فقلت: يا رسول الله ، زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلا قد أجرته فلان ابن هبيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أجرنا من أجرتي يا أم هانئ "().
ج ـ وفي حديث عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "…وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ…الحديث" () .
ومعنى قَوله : " ذمَّة الْمسلمين واحدة " أي أمانهم صحيح فإِذا أَمَّنَ الكافر واحد منهم حَرُم على غيره الاعتداء عليه . وقوله " يسعى بها " أي يتولاها ويذهب بها ويجيء . والمعنى أنَّ ذمّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وَضِيع , فإِذا أمَّن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمّة لم يكن لأحد نقضه , فيستوي في ذَلك الرّجل والمرأة والحر والعبد , لأنّ الْمسلمين كنفس واحدة . ومعنى " فمن أخفر " أي نقض العهد (). فالإسلام إذن قد حسم بذلك مسألة اللجوء وبخاصة اللجوء السياسي التي لم يصل فيها العالم إلى حل قانوني حتى اليوم ().
3 ـ المستأمنون بالموادعة أو المسالمة أو المهادنة وهي المعاهدة مع غير المسلمين على ترك القتال . وهذا النوع يدخل فيه بقية المستأمنين في الوقت الحاضر من رعايا الدول التي تربطها مع الدولة الإسلامية معاهدات واتفاقيات ، ويأتون لبلاد المسلمين لأغراض معينة ويقيمون بين المسلمين بصفة مؤقتة كالتجار ، والخبراء، والمستثمرين، والعاملين ، والسواح . فكل من حصل على تأشيرة دخول إلى بلد إسلامي من أقسام المعاهدين السابقة، سواء كانت التأشيرة للعمل أم للتجارة أم للزيارة أم غيرها ، فإنه يكون مستأمنا ، ولا يجوز الاعتداء عليه بأي نوع من أنواع الاعتداء سواء في دمه أم عرضه أم ماله . فلو قتل مثلا فإن الإسلام يضمن لأهله الدية . قال تعالى :
â $tBur šc%x. ?`ÏB÷sßJÏ9 br& Ÿ@çFø)tƒ $·ZÏB÷sãB žwÎ) $Z«sÜyz 4 `tBur Ÿ@tFs% $·YÏB÷sãB $Z«sÜyz ãƒÍóstGsù 7pt7s%u‘ 7psYÏB÷s–B ×ptƒÏŠur îpyJ¯=|¡–B #’n<Î) ÿ¾Ï&Í#÷dr& HwÎ) br& (#qè%£‰¢Átƒ 4 bÎ*sù šc%x. `ÏB BQöqs% 5ir߉tã öNä3©9 uqèdur ÑÆÏB÷sãB ãƒÍóstGsù 7pt6s%u‘ 7psYÏB÷s–B ( bÎ)ur šc%Ÿ2 `ÏB ¤Qöqs% öNä3sY÷t/ OßgsY÷t/ur ×,»sV‹ÏiB ×ptƒÏ‰sù îpyJ¯=|¡–B #’n<Î) ¾Ï&Í#÷dr& ãƒÍøtrBur 7pt6s%u‘ 7psYÏB÷s–B ( `yJsù öN©9 ô‰Åftƒ ãP$u‹ÅÁsù Èûøïuôgx© Èû÷üyèÎ/$tFtFãB Zpt/öqs? z`ÏiB «!$# 3 šá .
قوله "فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة" أي إذا كان القتيل مؤمنا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم ، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير. وأما قوله "وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق" أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم ().
وكما جعل العقوبة الدنيوية في قتل المعاهد هي الدية جعل عقوبة أخروية أيضا . فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المعاهدين بغير حق وتوعد من فعل ذلك في الآخرة ، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما " () .
فإذا كان لا يجوز قتل الواحد من المعاهدين لأن دمه معصوم ، فماذا يصنع الإرهابيون يوم القيامة بدماء من قتلوهم من المعاهدين بل من المسلمين ؟
الوجه الثالث : الإسلام يحث على الوفاء بالعهود وعدم نقضها :
وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة ، تحث المسلمين على الالتزام بالعهود والمواثيق وعدم نقضها ، وتؤكد على أهمية المحافظة على تلك العهود والمواثيق ، في علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها ، بما في ذلك رعايا الدول غير الإسلامية في بلاد المسلمين . وقد تكلم فقهاء الأمة عن المعاهدات مع غير المسلمين من ناحية : معناها ، ومشروعيتها ، وشروطها ، ومراحل تكوينها ، وآثارها () . فعرفوا العهد في اللغة بأنه : كل ما عوهد الله عليه وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد ، وأنه يطلق أيضا على معان منها : الموثق ، واليمين ، والوفاء ، والأمان (). وعرفوا المعاهدة في الاصطلاح بعدة تعريفات منها أنها " العقد على ترك القتال مدة معلومة " () .
ومن الأدلة على احترام العهود والمواثيق في الإسلام وعدم نقضها ما يلي :
1ـ قوله تعالى : â (#qèù÷rr&ur ωôgyèø9$$Î/ ( ¨bÎ) y‰ôgyèø9$# šc%x. Zwqä«ó¡tB ÇÌÍÈ á .
2ـ قوله تعالى : â $yg•ƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#ûqãYtB#uä (#qèù÷rr& ÏŠqà)ãèø9$$Î/ 4 á . والعقود عهود موثقة شديدة الإحكام ().
3ـ قوله تعالى: â (#qèù÷rr&ur ωôgyèÎ/ «!$# #sŒÎ) óO›?‰yg»tã Ÿwur (#qàÒà)Zs? z`»yJ÷ƒF{$# y‰÷èt/ $ydω‹Å2öqs? ô‰s%ur ÞOçFù=yèy_ ©!$# öNà6ø‹n=tæ ¸xŠÏÿx. 4 ¨bÎ) ©!$# ÞOn=÷ètƒ $tB šcqè=yèøÿs? ÇÒÊÈ Ÿwur (#qçRqä3s? ÓÉL©9$%x. ôMŸÒs)tR $ygs9÷“xî .`ÏB ω÷èt/ >o§qè% $ZW»x6Rr& šcrä‹Ï‚Fs? óOä3uZ»yJ÷ƒr& KxyzyŠ öNä3sY÷t/ br& šcqä3s? îp¨Bé& }‘Ïd 4’n1ö‘r& ô`ÏB >p¨Bé& 4 $yJ¯RÎ) ÞOà2qè=ö7tƒ ª!$# ¾ÏmÎ/ 4 ¨ûsöÍh‹u;ã‹s9ur ö/ä3s9 tPöqtƒ ÏpyJ»uŠÉ)ø9$# $tB óOçGYä. ÏmŠÏù tbqàÿÏ=tGøƒrB ÇÒËÈ á .
فهذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده . و"أنكاثا" أي أنقاضا ، أو لا تكونوا أنكاثا جمع ناكث . و"دخلا " أي خديعة ومكرا . "أن تكون أمة هي أربي من أمة" أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم ، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم ، فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى . وكان بين معاوية وبين ملك الروم أمد ، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم ، وهم غارّون لا يشعرون. فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية ! وفاء لا غدر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها" . فرجع معاوية رضي الله عنه بالجيش ().
4ـ قوله تعالى: â žwÎ) šúïÏ%©!$# N›?‰yg»tã z`ÏiB tûüÏ.ÎŽô³ßJø9$# §NèO öNs9 öNä.qÝÁà)Ztƒ $Z«ø‹x© öNs9ur (#rãÎg»sàムöNä3ø‹n=tæ #Y‰tnr& (#ûq‘JÏ?r'sù öNÎgøŠs9Î) óOèdy‰ôgtã 4’n<Î) öNÎkÌE£‰ãB 4 ¨bÎ) ©!$# =Ïtä† tûüÉ)GßJø9$# á .
أي من كان له عهد مع المسلمين فعهده إلى مدته ، وذلك بشرط ألا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحدا أي يمالئ عليهم من سواهم ، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته. ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال " إن الله يحب المتقين " أي الموفين بعهدهم ().
5ـ قوله تعالى : žwÎ) tûïÏ%©!$# tbqè=ÅÁtƒ 4’n<Î) ¤Qöqs% öNä3sY÷t/ NæhuZ÷t/ur î,»sV‹ÏiB ÷rr& öNä.râä!$y_ ôNuŽÅÇxm öNèdâ‘r߉߹ br& öNä.qè=ÏG»s)ム÷rr& (#qè=ÏG»s)ムöNßgtBöqs% 4 .
أي إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنه أو عقد ذمة ، فاجعلوا حكمهم كحكمهم. ().
6ـ حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرْبَعُ خِلَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا " () .
7ـ حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما َقُالُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْغَادِرَ يَنْصِبُ اللَّهُ لَهُ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ أَلَا هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ " ().
الوجه الرابع : شروط نصرة المعتدى عليهم من المسلمين :
وأما نصرة المظلومين والمستضعفين من المسلمين المعتدى عليهم فيشترط لها شرطان : أن يكون لدى المسلمين قوة لنصر أولئك المستضعفين مع كون الجهاد في هذه الحال فرض كفاية كما سيأتي ، كما يشترط ألا تكون الدولة المعتدية معاهدة للدولة الإسلامية التي يستنصر بها لقوله تعالى : â ¨bÎ) z`ƒÉ‹©9$# (#qãZtB#uä (#rãy_$ydur (#r߉yg»y_ur óOÎgÏ9¨uqøBr'Î/ öNÎkŦàÿRr&ur ’Îû È@‹Î6y™ «!$# tûïÏ%©!$#ur (#rur#uä (#ÿrãŽ|ÇtR¨r y7Í´¯»s9'ré& öNåkÝÕ÷èt/ âä!$u‹Ï9÷rr& <Ù÷èt/ 4 tûïÏ%©!$#ur (#qãZtB#uä öNs9ur (#rãÅ_$pkç‰ $tB /ä3s9 `ÏiB NÎkÉJu‹»s9ur `ÏiB >äóÓx« 4Ó®Lxm (#rãÅ_$pkç‰ 4 ÈbÎ)ur öNä.rãŽ|ÇZoKó™$# ’Îû ÈûïÏd‰9$# ãNà6ø‹n=yèsù ãŽóǨZ9$# žwÎ) 4’n?tã ¤Qöqs% öNä3sY÷t/ NæhuZ÷t/ur ×,»sVŠÏiB 3 ª!$#ur $yJÎ/ tbqè=yJ÷ès? ÖŽÅÁt/ á .
أي وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا ، في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم ، فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين ، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم ().
فإذا كانت الدولة الكافرة معاهدة لنا واعتدت على دولة إسلامية أخرى فإن هذا لا يعني قطع العلاقات معها وإلغاء المعاهدة بينهما تلقائيا ، كما لا يعني أن رعايا الدولة المعتدية لدى الدولة المسلمة قد أصبحوا كفارا محاربين ينبغي قتلهم والأخذ بثأر المسلمين المعتدى عليهم . وإنما يعني أن إلغاء العهد خاضع لتقدير المصلحة حسبما يراه ولي الأمر وأهل الحل والعقد ، وحسب قوة الدولة أو ضعفها والمصالح والمفاسد المترتبة على ذلك ، وهل تقطع العلاقات مع تلك الدولة وتلغى المعاهدة وتصبح دولة محاربة أم لا ؟ وفي كلا الحالين ليس لأفراد المسلمين التصرف ـ كما يفعل الإرهابيون ـ دون قرار ولي الأمر وأهل الحل والعقد .
ومما تقدم يتضح أن ما يفعله الإرهابيون من قتل للمعاهدين إنما هو غدر وخيانة وخديعة لا يقرها الله ولا رسوله ، فإذا كان نقض عهد أو أمان المسلم عامة من كبائر الذنوب فكيف بنقض عهد ولي أمر المسلمين وأمانه لمن دخلوا بلادنا بناء على تأشيرة دخول ، أم كيف بالغدر بمن أدخلونا بلادهم بناء على ما بيننا وبينهم من معاهدات واتفاقيات وعلاقات دبلوماسية ؟
المبحث الثالث
شبه تتعلق بالجهاد
يتمسك الإرهابيون بشبه كثيرة تتعلق بحكم الجهاد ، مما يدل على جهلهم بهذه الفريضة العظيمة . وأهم الشبه في هذا المجال هي:
1ـ أنه إذا داهم العدو بلدا للمسلمين فإن حكم الجهاد يكون فرض عين على جميع المسلمين في بقية البلدان الإسلامية لنصرة أهل ذلك البلد .
2ـ أنه إذا وجد مسلمون تحت حكم دولة كافرة فإنه ينبغي عليهم إعلان الجهاد على تلك الدولة ورفع رايته ، بغض النظر عن قوة المسلمين أو ضعفهم وبغض النظر عن قوة عدوهم أو ضعفه .
3ـ أنه يجوز لجماعة من المسلمين خارجة عن سلطة دولتهم الإسلامية، أن ترفع راية الجهاد وتجاهد الكفار الذين يعتدون على المسلمين في أي مكان .
4ـ أنه يجوز قتل المدنيين من الكفار ، بتفجير مرافقهم العامة وقتل من فيها، إذا كان لا يمكن النكاية بالعدو إلا بذلك ، وجواز أيضا قتل من فيها من المسلمين إذا لم يمكن قتل الكفار إلا بتلك الطريقة . ويستدلون على ذلك بما يلي :
1ـ استدلوا على الشبهة الأولى بقوله تعالى : â $tBur ö/ä3s9 Ÿw tbqè=ÏG»s)è? ’Îû È@‹Î6y™ «!$# tûüÏÿyèôÒtFó¡ßJø9$#ur šÆÏB ÉA%y`Íh9$# Ïä!$|¡ÏiY9$#ur Èb¨t$ø!Èqø9$#ur tûïÏ%©!$# tbqä9qà)tƒ !$sY/u‘ $sYô_Í÷zr& ô`ÏB ÏnÉ‹»yd Ïptƒös)ø9$# ÉOÏ9$©à9$# $ygè=÷dr& @yèô_$#ur $uZ©9 `ÏB y7Rà$©! $w‹Ï9ur @yèô_$#ur $sY©9 `ÏB y7Rà$©! #¶ŽÅÁtR ÇÐÎÈ á . قالوا هذه فيها وجوب نصرة المظلومين والمستضعفين من المسلمين وما أكثرهم في هذا الزمن .
2ـ استدلوا على الشبهة الثانية بقوله تعالى : â (#rãÏÿR$# $]ù$xÿ½z Zw$s)ÏOur (#r߉Îg»y_ur öNà6Ï9¨uqøBr'Î/ öNä3Å¡àÿRr&ur ’Îû È@‹Î6y™ «!$# 4 öNä3Ï9¨sŒ ÖŽöyz öNä3©9 bÎ) óOçFZä. šcqßJn=÷ès? á . فالله قد أمر عباده بالنفير للجهاد في العسر واليسر والمنشط والمكره والحر والبرد وفي جميع الأحوال (). قالوا هذا يدل على وجوب الجهاد على الأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة .
3ـ استدلوا على الشبهة الثالثة بقصة الصحابي أبي بصير رضي الله عنه زمن صلح الحديبية وفيها: "ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ ، فَقَالُوا : الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا ، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ ، فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ ، فَقَالَ أَبُو بَصِير :ٍ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ ()، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ : لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا ! فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلُ أُمِّه () مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ () ، قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ () خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ ، إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ ، لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ " () .
قالوا هذا فيه جواز انفراد جماعة مسلمة عن صف المسلمين ومقاتلة الكفار حتى ولو كانوا معاهدين ، لأن أبا بصير وأصحابه اعترضوا قوافل قريش وقتلوهم وسلبوا أموالهم وهم معاهدون للنبي صلى الله عليه وسلم .
4ـ استدلوا على الشبهة الرابعة بأدلة منها :
أ ـ قوله تعالى : â Ç`yJsù 3“y‰tGôã$# öNä3ø‹n=tæ (#r߉tFôã$$sù Ïmø‹n=tã È@÷VÏJÎ/ $tB 3“y‰tGôã$# öNä3ø‹n=tæ 4 (#qà)¨?$#ur ©!$# (#ûqßJn=ôã$#ur ¨br& ©!$# yìtB tûüÉ)FßJø9$# á . وجه الدلالة من الآية في نظرهم أن الكفار قد احتلوا بعض بلاد المسلمين وقتلوا نساءهم وأطفالهم ، فنحن يجب علينا ـ وإن لم نكن من أهل تلك البلاد ـ أن نقاتلهم ونقتل نساءهم وأطفالهم كذلك ردا للعدوان والظلم بمثلهما .
ب ـ حديث الصعب بن جَثّامة رضي الله عنه قال :مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بوَدَّان ، وسئل عن أهل الدار يُبَيَّتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال : "هم منهم " (). قالوا هذا يدل على جواز قتل الكفار بما فيهم النساء والصبيان .
ج ـ قاعدة " يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا " . قالوا فقتل الكفار إذا كان لا يتيسر إلا بقتل نسائهم وأطفالهم فهو جائز لأنه تبع لقتل الرجال البالغين .
د ـ واستدلوا على قتل المسلمين إذا كانوا معهم بمسألة التترس التي أجازها الفقهاء . وتعني جواز الرمي إلى كفار تترسوا بأفراد من المسلمين ().
والرد على تلك الشبه من عدة أوجه :
الوجه الأول : الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين :
d â |=ÏGä. ãNà6ø‹n=tæ ãA$tFÉ)ø9$# uqèdur ×nöä. öNä3©9 ( #Ó|¤tãur br& (#qèduõ3s? $Z«ø‹x© uqèdur ÖŽöyz öNà6©9 ( #Ó|¤tãur br& (#q™6Åsè? $Z«ø‹x© uqèdur @ŽŸ° öNä3©9 3 ª!$#ur ãNn=÷ètƒ óOçFRr&ur Ÿw šcqßJn=÷ès? á . فمعنى كتب أي فرض . ولكنه فرض كفاية وليس فرض عين كما يقول الإرهابيون . قال الوزير بن هبيرة : " واتفقوا على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن باقيهم ولم يأثموا بتركه " (). وقال ابن رشد عن فريضة الجهاد : " فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين " (). ومن الأدلة على أنه فرض كفاية ما يلي :
1ـ قوله تعالى : â $tBur šc%x. tbqãZÏB÷sßJø9$# (#rãÏÿYuŠÏ9 Zp©ù!$Ÿ2 4 Ÿwöqn=sù uxÿtR `ÏB Èe@ä. 7ps%öÏù öNåk÷]ÏiB ×pxÿͬ!$sÛ (#qßg¤)xÿtGuŠÏj9 ’Îû Ç`ƒÏe$!$# (#râ‘É‹YãŠÏ9ur óOßgtBöqs% #sŒÎ) (#ûqãèy_u‘ öNÎköŽs9Î) óOßg¯=yès9 šcrâ‘x‹øts† ÇÊËËÈ . فالنفير ليس مطلوبا من الجميع مما يدل على أن الجهاد فرض كفاية .
2ـ قوله تعالى : â žw “ÈqtGó¡o„ tbr߉Ïè»s)ø9$# z`ÏB tûüÏZÏB÷sßJø9$# ãŽöxî ’Í<'ré& Í‘uŽœØ9$# tbr߉Îg»yfçRùQ$#ur ’Îû È@‹Î6y™ «!$# óOÎgÏ9¨uqøBr'Î/ öNÎkŦàÿRr&ur 4 Ÿ@žÒsù ª!$# tûïωÎg»yfçRùQ$# óOÎgÏ9¨uqøBr'Î/ öNÎkŦàÿRr&ur ’n?tã tûïωÏè»s)ø9$# Zpy_u‘yŠ 4 yxä.ur y‰tãur ª!$# 4Óo_ó¡çtù:$# 4 á . فالله قد وعد المجاهدين والقاعدين الحسنى وهي الجنة، فدل على أنه فرض كفاية ، ولو كان فرض عين لما وعد القاعدين الحسنى . لكن يكون الجهاد فرض عين ، في الحالات التالية :
1ـ في حالة النفير العام ، أي عندما يأمر إمام المسلمين بذلك . d
â $yg•ƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä $tB ö/ä3s9 #sŒÎ) Ÿ@ŠÏ% â/ä3s9 (#rãÏÿR$# ’Îû È@‹Î6y™ «!$# óOçFù=s%$¯O$# ’n<Î) ÇÚö‘F{$# 4 á .
2ـ إذا دخل العدو بلدا من بلاد المسلمين ، فيتعين على أهل ذلك البلد قتاله الأقرب فالأقرب . d â $pkš‰r'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qè=ÏG»s% šúïÏ%©!$# Nä3tRqè=tƒ šÆÏiB Í‘$¤ÿà6ø9$# (#r߉Åfu‹ø9ur öNä3ŠÏù Zpsàù=Ïñ 4 (#ûqßJn=÷æ$#ur ¨br& ©!$# yìtB tûüÉ)FãKø9$# á .
3ـ إذا التقى جيش المسلمين مع جيش العدو .d â $yg•ƒr'¯»tƒ z`ƒÏ%©!$# (#ûqãZtB#uä #sŒÎ) ÞOçGŠÉ)s9 tûïÏ%©!$# (#rãxÿx. $Zÿômy— Ÿxsù ãNèdq—9uqè? u‘$t/ôŠF{$# ÇÊÎÈ `tBur öNÎgÏj9uqム7‹Í´tBöqtƒ ÿ¼çnuç/ߊ žwÎ) $]ùÍhystGãB @A$tGÉ)Ïj9 ÷rr& #¸”ÉiystGãB 4’n<Î) 7pt¤Ïù ô‰s)sù uä!$t/ 5=ŸÒtóÎ/ šÆÏiB «!$# çm1urù'tBur ãN¨Yygy_ ( }§ø¤Î/ur ãŽÅÁpRùQ$# á .
فهؤلاء خالفوا إجماع العلماء وقالوا إن الجهاد فرض عين على كل المسلمين في كل مكان ، وهذا ليس بصحيح ، وإنما يكون فرض عين على أهل البلد التي داهمها العدو ويكون فرض كفاية على بقية المسلمين في البلدان الأخر بشروط منها موافقة الوالدين وولي الأمر .
وفي هذا الزمن إذا استنصرتنا أقلية أو دولة مسلمة على دولة معاهدة لنا ، فإننا لا ننصرهم لوجود المعاهدة بيننا وبين الدولة الأخرى كما تقدم في المبحث السابق. كما أن الآية التي فيها نصرة المستضعفين ليست على إطلاقها كما يظن الإرهابيون ، فهي لا تعني أن الجهاد صار واجبا وجوبا عينيا على كل المسلمين ولو كانوا ضعفاء ، إنما تكون تلك الحال من أهداف الجهاد في حال قوة المسلمين.
الوجه الثاني : الجهاد لا يجب إلا مع الاستطاعة :
يرى الإرهابيون أن الجهاد فرض عين على الأقليات والشعوب المسلمة المضطهدة كالبوسنة والهرسك والشيشان ومندناو وغيرها . والصحيح أنه لا يجب عليهم إذا كانوا ضعفاء بل قد يكون ممنوعا في حقهم حتى يعدوا العدة ويكون لهم شوكة وأرض مستقلة يقاتلون منها ، وعليهم أن يشتغلوا بتعلم أمور دينهم وإقامة شعائرهم ، وإذا منعوا من ذلك فعليهم أن يهاجروا إلى بلاد إسلامية يتمكنون فيها من أداء تلك الشعائر . قال ابن عثيمين : " والجهاد لا بد فيه من شرط ، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال ، فإن لم يكن لديهم قدرة ، فإن إقحام أنفسهم في القتال ، إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة ، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة ؛ لأنهم عاجزون ضعفاء ، فلما هاجروا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أمروا بالقتال ، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط ، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات ، لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة " لقوله تعالى : â (#qà)¨?$$sù ©!$# $tB ÷Läê÷èsÜtFó™$# á ()
وقد مر تشريع الجهاد بعدة مراحل مراعاة لأحوال المسلمين في كل زمان ومكان. فقد كان في مكة محرما على المسلمين ، ثم مأذونا به في المدينة في بادئ الأمر ، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين (). وهذه المراحل ينبغي مراعاتها والالتزام بها في هذا العصر وفي كل عصر بحسب قوة المسلمين وضعفهم وبحسب حال عدوهم أيضا . وفيما يلي بيان تلك المراحل وأدلتها :
المرحلة الأولى : العفو والصفح والكف عن القتال أي تحريم القتال :
d â óOs9r& us? ’n<Î) tûïÏ%©!$# Ÿ@ŠÏ% öNçlm; (#ûq’ÿä. öNä3tƒÏ‰÷ƒr& (#qßJŠÏ%r&ur no4qn=¢Á9$# (#qè?#uäur no4qx.¢•9$# $Hs>sù |=ÏGä. ãNÎköŽn=tã ãA$tFÉ)ø9$# #sŒÎ) ×,ƒÍsù öNåk÷]ÏiB tböqt±øƒs† }¨$¨Z9$# Ïpu‹ô±y‚x. «!$# ÷rr& £‰x©r& Zpu‹ô±yz 4 (#qä9$s%ur $sY/u‘ zOÏ9 |Mö6tGx. $uZøŠn=tã tA$tFÉ)ø9$# Iwöqs9 !$sYs?ö¨zr& #’n<Î) 5@y_r& 5=ƒÍs% 3 á .
المرحلة الثانية : الإذن بالقتال :d â tbÏŒé& tûïÏ%©#Ï9 šcqè=tG»s)ムöNßg¯Rr'Î/ (#qßJÏ=àß 4 ¨bÎ)ur ©!$# 4’n?tã óOÏdÎŽóÇtR íƒÏ‰s)s9 ÇÌÒÈ tûïÏ%©!$# (#qã_Í÷zé& `ÏB NÏdÍ»tƒÏŠ ÎŽötóÎ/ @d,xm HwÎ) cr& (#qä9qà)tƒ $sYš/z’ ª!$# 3 Ÿwöqs9ur ßìøùyŠ «!$# }¨$¨Z9$# Nåk|Õ÷èt/ <Ù÷èt7Î/ ôMtBÏd‰çl°; ßìÏB¨uq|¹ Óìu‹Î/ur ÔN¨uqn=|¹ur ߉Åf»|¡tBur ãŸ2õ‹ãƒ $pkŽÏù ãNó™$# «!$# #[ŽÏVŸ2 3 žcuŽÝÇZuŠs9ur ª!$# `tB ÿ¼çnãŽÝÇYtƒ 3 žcÎ) ©!$# :”Èqs)s9 ͓tã ÇÍÉÈ .
المرحلة الثالثة : الأمر بقتال من قاتلهم فقط: d â (#qè=ÏG»s%ur ’Îû È@‹Î6y™ «!$# tûïÏ%©!$# óOä3tRqè=ÏG»s)ムŸwur (#ÿr߉tG÷ès? 4 žcÎ) ©!$# Ÿw =ÅsムšúïωtG÷èßJø9$# ÇÊÒÉÈ á .
المرحلة الرابعة : الأمر بقتال المشركين كافة . قال تعالى : â #sŒÎ*sù y‡n=|¡S$# ãåkôF{$# ãPãçtù:$# (#qè=çGø%$$sù tûüÏ.ÎŽô³ßJø9$# ß]ø‹xm óOèdqßJ›?‰y`ur óOèdrä‹äzur öNèdrãŽÝÇôm$#ur (#r߉ãèø%$#ur öNßgs9 ¨@à2 7‰|¹ósD 4 bÎ*sù (#qç/$s? (#qãB$s%r&ur no4qn=¢Á9$# (#âqs?#uäur no4qŸ2¨“9$# (#q=yÜsù öNßgn=‹Î;y™ 4 ¨bÎ) ©!$# Ö‘qàÿxî ÒO‹Ïm§‘ ÇÎÈ á .
وهذه المرحلة الرابعة لم تشرع من أجل التوسع في الأقاليم ، أو البحث عن الموارد الاقتصادية ، أو من أجل القهر والتسلط ، وإنما كانت لتحقيق أهداف عظيمة سامية منها : دفع تهديد الأعداء للمسلمين ، أو منعهم نشر الإسلام ، أو رد عدوانهم ورفع الظلم عن المسلمين.
وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي قرارا بخصوص علاقات الدولة الإسلامية بغيرها وبالمواثيق الدولية جاء فيه() :
" أولاً :إن العلاقة بين الدول الإسلامية والدول الأخرى المكونة للمجتمع الدولي ، تقوم على السلام ونبذ الحروب ، والاحترام المتبادل ، والتعاون بما يحقق المصالح المشتركة للإنسانية ، في إطار المبادئ والأحكام الشرعية .
ثانياً : إن الدولة الإسلامية لا تعادي أي دولة أخرى لمجرد الخلاف في الدين ، وإنما تعادي فقط من يبتدرها بعدوان ، أو يُسيء إلى رموزها ومقدساتها ؛ وذلك لأن الحرب في الإســــلام هي وسيلة أخيرة يتمّ اللجوء إليها للدفاع عن النفس، ولرد أي عدوان .
ثالثاً : ضرورة التعاون والتكامل بين الدول الإسلامية في جميع المجالات، مثل إقامة السوق الإسلامية المشتركة ، والمناطق الاقتصادية الحرة ، وإبرام اتفاقيات التعاون في مختلف المجالات الدولية .
رابعاً: ليس هناك مانع شرعي من إبرام الاتفاقيات الدولية التي لا تتعارض مع مبادئ الإسلام وأحكامه ، ولا تؤدي إلى هيمنة أي قوة دولية على الدول المتعاقدة أو على الدول الأخرى وذلك في جميع المجالات التي تحقق مصلحة المسلمين .
التوصيات :
1ـ يوصي المجمع الجامعات ومراكز البحوث في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي بالاهتمام بالدراسات التي تُعنى ببيان مبادئ الإسلام في العلاقات الدولية ، واحترام حقوق غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية .
2ـ يهيب المجمع بالدول الإسلامية أن تضم وفُودُها إلى المؤتمرات الدولية الفكرية والثقافية مختصين في الثقافة الإسلامية فيما يتعلق بموضوعات هذه المؤتمرات ".
الوجه الثالث : قصة أبي بصير ليست دليلا للإرهابيين :
المتأمل في قصة أبي بصير رضي الله عنه لا يجد فيها دليلا أو حجة على ممارسة الإرهاب بدعوى الجهاد لما يلي ():
1ـ أن الموقف الذي وجد أبو بصير نفسه فيه هو موقف اضطره إليه المشركون في مكة حينما حالوا بينه وبين الهجرة بدينه إلى المدينة ، وقد استغلوا المعاهدة التي وقعوها مع رسول الله لإرغام أبي بصير على العودة إلى مكة ؛ لفتنته عن دينه . وقد وفّى لهم رسول الله عهده وسلّمه إليهم ، إلا أن أبا بصير نجا بنفسه بعد أن قتل أحد الرسولين . وهذا الذي فعله إنما هو دفاع عن نفسه ودينه ، ولو مُكّن من الهجرة لما فعل ما فعل. فكيف يقاس عمل الإرهابيين على ما فعله أبو بصير؟
2ـ أن الإرهابيين لم يفتنهم أحد عن دينهم ، وحتى لو حصل هذا من قبل حاكم مسلم فلا يجوز لهم أن يعلنوا الحرب على المجتمع ، بل عليهم الصبر أو الرحيل إلى بلد آخر يجدون فيه الأمن على أنفسهم وعلى دينهم.
3ـ أن ما فعله أبو بصير إنما كان مع كفار محاربين وليس مع مسلمين، وهو عمل مشروع ؛ لأنه جهاد كفار محاربين ، حالوا بينه وبين الفرار بدينه إلى دولة إسلامية . فكيف يصح الاستدلال بعمله على الإرهاب الموجه إلى المسلمين أو الكفار المعاهدين ! أليس هذا حرابة وبغي يجيز الشرع قتال فاعله ؟ فالاستدلال الصحيح بقصة أبي بصير يكون على أفراد في مثل حاله تابعين لدولة كافرة ، تمنعهم ظلما وعدوانا من الهجرة إلى بلاد المسلمين ، ويرون أنهم قادرون على إلحاق الأذى بدولتهم الظالمة لإجبارها على الاستجابة لهم دون إلحاق الضرر بالمسلمين .
الوجه الرابع : عدم جواز قتل المدنيين :
لا يجوز في الإسلام قتل نساء الكفار وأطفالهم أو ما يسمى في القانون الدولي بالمدنيين ، في حال الحرب ومن باب أولى في حال السلم ووجود المعاهدات والاتفاقيات مع المسلمين للأدلة التالية :
1ـ حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي عليه الصلاة والسلام فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان " () .
2ـ حديث بُرَيْدَةَ بن الحصيب رضي الله عنه قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ،َ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ ؛ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ : اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ،اغْزُوا ، وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًاَ " () .
3ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اغزوا باسم الله ، وقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام ، ستجدون رجالا في الصوامع فلا تتعرضوا لهم ، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيرا ولا شيخا فانيا ولا تقطعوا شجرة ولا تهدموا بناء " () .
وأضاف الفقهاء إلى المرأة والصبي أصنافا أخر من المدنيين لا يجوز الاعتداء عليهم وهم : الخنثى ، والراهب ، والشيخ الفاني ، والأعمى ، والزمِن وهو ذو العاهة . فهؤلاء السبعة ، لا يجوز قتلهم عند جمهور علماء المسلمين () إلا أن يكون لهم رأي وتدبير ، أو قاتلوا ، كما لو اشترك النساء في القتال ، أو حرضوا على القتال . وكانت هذه المبادئ أساس اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة الأسرى والقتلى ومنع الثأر ().
وأما استدلال الإرهابيين بقوله تعالى : â Ç`yJsù 3“y‰tGôã$# öNä3ø‹n=tæ (#r߉tFôã$$sù Ïmø‹n=tã È@÷VÏJÎ/ $tB 3“y‰tGôã$# öNä3ø‹n=tæ 4 (#qà)¨?$#ur ©!$# (#ûqßJn=ôã$#ur ¨br& ©!$# yìtB tûüÉ)FßJø9$# ÇÊÒÍÈ á . فهو استدلال في غير محله. فهذه الآية تجيز رد العدوان بمثله لكن في حال جهاد الكفار المحاربين وليس المعاهدين. والجهاد في هذه الحال فرض كفاية أيضا وليس فرض عين ، وبشرط أن يكون في حق الدولة المعتدية ، وليس في حق رعايا دولة أخرى معاهدة للمسلمين كما يفعل الإرهابيون .
وأما استدلال الإرهابيين بحديث الصعب بن جَثّامة في تبييت ذرية الكفار فليس في محله أيضا ؛ لأن المقصود به ذرية الكفار المحاربين الذين لا يمكن قتل المحاربين الأقوياء إلا بقتلهم معهم تبعا لا استقلالا ، وليس ذرية الكفار المعاهدين الذين لا يجوز قتلهم وفقا للنصوص السابقة. قال ابن حجر في شرح هذا الحديث : " هم منهم : أي في الحكم في تلك الحالة ، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم ، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم " () .
وكذلك لا يستقيم لهم الاستدلال بقاعدة " يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا " إلا في حال قتال الحربيين ، وأما ما يفعلونه فهو قتال لمعاهدين وهو غير جائز .
ثم إن ظلم غير المسلمين للمسلمين لا يجيز لنا أن نرد عليهم بظلم مثله، بل نحن مأمورون بالعدل في كل حال . قال تعالى : â Ÿwur öNä3¨ZtBÍøgs† ãb$t«sYx© BQöqs% br& öNà2r‘‰|¹ Ç`tã ωÅfó¡yJø9$# ÏQ#uutù:$# br& (#r߉tG÷ès? ¢ (#qçRur$yès?ur ’n?tã ÎhŽÉ9ø9$# 3“uqø)G9$#ur ( Ÿwur (#qçRur$yès? ’n?tã ÉOøOM}$# Èb¨urô‰ãèø9$#ur 4 (#qà)¨?$#ur ©!$# ( ¨bÎ) ©!$# ߉ƒÏ‰x© É>$s)Ïèø9$# á. وقال تعالى : â $pkš‰r'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#qãYtB#uä (#qçRqä. šúüÏB¨§qs% ¬! uä!#y‰pkà ÅÝó¡É)ø9$$Î/ ( Ÿwur öNà6¨ZtBÍôftƒ ãb$t«sYx© BQöqs% #’n?tã žwr& (#qä9ω÷ès? 4 (#qä9ωôã$# uqèd Ü>uø%r& 3“uqø)G=Ï9 ( (#qà)¨?$#ur ©!$# 4 žcÎ) ©!$# 7ŽÎ6yz $yJÎ/ šcqè=yJ÷ès? á . والشنآن معناه البغض والكره. أي أن بغضنا لهم بسبب قتلهم لإخواننا المسلمين لا يعني أن ترك العدل معهم ، بل ينبغي لنا أن نعدل ونطالب برفع الظلم عن إخواننا .
وأما قوله تعالى :â ÷bÎ)ur óOçGö6s%%tæ (#qç7Ï%$yèsù È@÷VÏJÎ/ $tB OçFö6Ï%qãã ¾ÏmÎ/ ( ûÈõs9ur ÷LänöŽy9|¹ uqßgs9 ÖŽöyz šúïÎŽÉ9»¢Á=Ïj9 á . فهو في جواز المعاملة بالمثل والحث على التسامح والتجاوز لكن في حال جهاد المحاربين . بل إنهم لو مثلّوا بالمسلمين فلا نقابلهم بمثل ذلك ؛ لما جاء في حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ ().
كما أن ما يدعيه الإرهابيون بأن من يقبضون عليه من غير المسلمين أنهم أسرى حرب يجوز خطفهم وقتلهم ، ليس صحيحا ؛ لأن من خطفوهم إنما هم من المعاهدين الذين لا يجوز خطفهم أو قتلهم. فالحقيقة أنهم لا يعاملون معاملة الأسرى في الشريعة الإسلامية . وأما من يُقبض عليه من الكفار المحاربين فهو أسير شرعا وينبغي أن تطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية في الأسرى ويعاملون بعدل الإسلام .
وأما استدلالهم على جواز قتل المسلمين إذا كانوا مع الكفار في المرافق العامة التي يفجرونها بمسألة التترس عند الفقهاء ، فهو استدلال في غير محله ؛ لأن هذه المسألة إنما أجازها الفقهاء بشرطين :الأول أن يكون ذلك في جهاد ، وما يفعله هؤلاء ليس بجهاد وإنما هو إرهاب للمعاهدين . والثاني : أن يكون الغالب على الظن أن عدم قتل الترس من المسلمين سيؤدي إلى أن يتمكن الأعداء من استئصال المسلمين وإبادتهم . فأجيز ذلك من باب قاعدة : يتحمل الضرر الخاص ( وهو قتل الترس ) لدفع الضرر العام ( وهو استئصال المسلمين جميعهم ) .
الخاتمة
النتائج والتوصيات
أولا : النتائج :
1ـ أن الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل ؛ فمنه كفر أكبر ومنه كفر أصغر، والذي يحدد هذا الشيء ، هم العلماء الربانيون الراسخون في العلم ، وهم لا يلجأون إلى التكفير إلا في أضيق نطاق ، وعندما تتوافر شروطه كالبلوغ والعقل ، وتنتفي موانعه كالجهل ، والإكراه ، والتأويل ونحو ذلك.
2ـ أن شبهة إخراج جميع اليهود والنصارى من جزيرة العرب شبهة ساقطة ؛ لأن الأحاديث التي استدلوا بها إنما هي في عدم جواز الإقامة الدائمة في جزيرة العرب ، أي لا يكون اليهود والنصارى أهل ذمة في جزيرة العرب ، أما الإقامة المؤقتة في جزيرة العرب فلم يقل بمنعها ـ حسب علمي ـ أحد من علماء الأمة المتقدمين أو المتأخرين . وبناء عليه فإن إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب إقامة مؤقتة بأمان أو عهد أو صلح جائزة شرعا وكفلها لهم الإسلام بوصفهم معاهدين. كما لا يجوز الاعتداء عليهم فيما لو اعتدت دولتهم على بعض المسلمين ما دام أن بيننا وبين دولتهم عهد قائم .
3ـ أن حكم الجهاد ليس الوجوب مطلقا في كل الأزمان والأماكن وإنما هو فرض كفاية ، ويكون فرض عين في حالات ثلاث الأولى : إذا داهم العدو أرضا إسلامية فإن الجهاد يجب وجوبا عينيا على أهلها ، والثانية : إذا استنفر ولي الأمر المسلمين للجهاد وجب عليهم ، والثالثة : إذا حضر المسلم أرض المعركة فإنه يجب عليه الجهاد ، وما سوى ذلك فإن الجهاد يكون فرض كفاية ويشترط فيه القدرة وموافقة ولي الأمر والأبوين .
4ـ يسقط الجهاد عن الأقليات المسلمة المستضعفة في حال عدم القدرة كما سقط عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة بل حرم عليهم دفعا للمفسدة وهي استئصال الإسلام وأهله . وإذا عجزوا عن أداء شعائرهم الدينية فإنه يجوز لهم الهجرة إلى بلد إسلامي يتمكنون فيه من ذلك .
5ـ أن قتل المدنيين من الكفار المحاربين لا يجوز إلا إذا لم يتيسر قتل المقاتلين منهم إلا بذلك . ولا يقاس عليه ما يفعله الإرهابيون من قتل من يخطفونهم من المعاهدين .
6ـ لا يجوز قتل المسلمين مع الكفار بحجة مسألة الترس التي أجازها الفقهاء إلا بشرطين : الأول أن يكون ذلك في جهاد وليس إرهاب والثاني أن يغلب على الظن إبادة المسلمين جميعهم لو لم نقتل الترس.
7ـ أن تلك الشبه كان مردها إلى القصور الواضح في بيان نظرة الإسلام إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب وهو المسمى بفقه السياسة الشرعية . فالجهل بتلك الأمور أدى إلى تخبط الشباب وتعاملهم مع القضايا العامة التي تهم الأمة على غير هدى من منهج الإسلام الصحيح الذي سار عليه سلف الأمة الصالح .
ثانيا : التوصيات :
1ـ العناية بالعلم الشرعي المؤصل من الكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة الصالح وذلك في المدارس ، والجامعات ، وفي المساجد ، ووسائل الإعلام.
2ـ ينبغي أن يدرس فقه السياسة الشرعية بفرعيه : العلاقة بين الحاكم والمحكوم وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول ، في الجامعات والكليات والمعاهد العليا، مع مقارنته بالقوانين الدستورية والدولية التي تحكم العالم في هذا العصر ، وبيان موافقتها أو مخالفتها له.
3ـ على شباب المسلمين إحسان الظن بعلمائهم الكبار الراسخين في العلم والتلقي عنهم وليس عن صغار طلبة العلم ، وليعلموا أن مما يسعى إليه أعداء الدين الوقيعة بين شباب الأمة وعلمائها ، وبينهم وبين حكامهم حتى تضعف شوكتهم وتسهل السيطرة عليهم .
4ـ أدعو المؤسسات التربوية والإعلامية لإبراز الإسلام بصورته المُشرقة التي تدعو إلى قيم التسامح والمحبة والتواصل مع الآخر والتعاون على الخير.
قائمة المراجع :
(استعملت في الحواشي بعض الرموز للاختصار على النحو التالي :ع : العدد، م : المجلد ، ج : الجزء ، ص : الصفحة ، ب ط : بلا طبعة، ب ت : بلا تاريخ .
|