أخبار الموقع

لا يوجد مادة.

: بحوث علمية
طباعة

  : بحوث علمية
أهم شبه الإرهابيين والرد عليها
 

 

 

 

 

 

 

أهم شبه الإرهابيين والرد عليها

        

 

 

 

 

 

 

 

إعداد الدكتور : ناصح بن ناصح المرزوقي البقمي

          نشر هذا البحث بالمجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض  في ربيع الآخر 1429هـ العدد 46 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

               

 

 

 

 

الفهــــرس

 

الموضوع                                                                الصفحة

 

المقدمة                                                                     2                                                                

 

المبحث الأول : شبهة تكفير الحكومات العربية والإسلامية                  3

  الرد على الشبهة من عدة أوجه :

  الوجه الأول : الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل                          4                                                      

  الوجه الثاني : عدم جواز الخروج على الحاكم إلا في حال الكفر الأكبر    6

  الوجه الثالث : عقوبة من خرج على الحاكم الذي لم يصدر منه كفر أكبر    7

  الوجه الرابع : المسلمون لا يجاهد بعضهم بعضا                           8

 

المبحث الثاني : شبهة إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب          9                                                              

  الرد على الشبهة من عدة أوجه :                                                  

  الوجه الأول : حكم إقامة المعاهدين في بلاد المسلمين                       10

  الوجه الثاني : بيان أقسام المعاهدين في الإسلام                           14                 

  الوجه الثالث : الإسلام يحث على الوفاء بالعهود وعدم نقضها             17           

  الوجه الرابع : شروط نصرة المعتدى عليهم من المسلمين                 19 

 

المبحث الثالث : شبه تتعلق بالجهاد                                        20

    الرد على الشبه من عدة أوجه :                               

  الوجه الأول : الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين                      22                                

  الوجه الثاني : الجهاد لا يجب إلا مع الاستطاعة                          23                  

  الوجه الثالث : قصة أبي بصير ليست دليلا للإرهابيين                    25

  الوجه الرابع : عدم جواز قتل المدنيين                                    26         

 

الخاتمة : النتائج والتوصيات                                               28

قائمة المراجع                                                              30

 

 

 

 

 

 

المقدمـــــــــة

 

   بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . أما بعد : فقد عرّف مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي الإرهاب بأنه : "العدوان أو التخويف أو التهديد مادياً أو معنوياً الصادر من الدول أو الجماعات أو الأفراد على الإنسان ، في دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله أو ماله بغير حق بشتى صنوف العدوان وصور الإفساد في الأرض "([1]). ومن ناحية الحكم فقد أصدر هذا المجمع قرارا بتحريم الإرهاب بجميع صوره كما حرمه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ([2]) ، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ([3])، كما شخصت هذه المجامع  أسباب المشكلة وحلولها بما يعد خلاصة لما توصلت إليه كثير من الدراسات والمؤتمرات والندوات بخصوص تلك المشكلة .

  ومع كثرة ما قدم في المشكلة من الدراسات من أجل الوصول إلى حلول ناجعة لها ، إلا أنها لا زالت مستمرة ؛ لأن أهم أسبابها وهو الشبه التي تعشعش في أذهان أولئك الإرهابيين، التي تُحسِّن لهم أعمالهم وتصورها لهم أنها جهاد في سبيل الله جزاؤه الجنة لم يعالج في نظري علاجا شافيا. فتلك الشبه لم تلقَ حقها من البحث والتمحيص والتفنيد ، حيث طُرق بعضها في صفحات قليلة ضمن موضوع الإرهاب الكبير المتشعب ، بينما بقي بعضها بلا بحث ، فكان من الواجب على أهل العلم التصدي لتلك الشبه وجمعها وتفنيدها والرد عليها ؛ إبراء للذمة ونصحا للأمة . وهذا ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع إسهاما في معالجة المشكلة التي تهم أمتنا جميعا ، وتعد من أكبر الأخطار التي تواجهها . ولأن موضوع الإرهاب قد درس في معظم جوانبه ، فقد اقتصرت في هذا البحث على الجانب الذي أرى أنه لم يأخذ حقه من البحث وهو الشبه والرد عليها دون التطرق للجوانب التي بحثت .

   وقد قسمت هذا البحث بعد هذه المقدمة إلى ثلاثة مباحث وخاتمة. ففي المبحث الأول بيّنت الردود على شبهة تكفير الحكومات العربية والإسلامية، وفي المبحث الثاني بيّنت الردود على شبهة وجوب إخراج اليهود والنصارى المعاهدين من جزيرة العرب ، وفي المبحث الثالث بيّنت الردود على الشبه التي تتعلق بالجهاد ، وأما الخاتمة ففي النتائج والتوصيات . وأسأل الله أن ينفع أمتنا بهذا البحث ، وأن يجعله خالصا لوجهه العظيم صوابا على سنة نبيه الكريم([4]).

المبحث الأول

شبهة تكفير الحكومات العربية والإسلامية

 

   يرى الإرهابيون أن الحكومات العربية والإسلامية التي لا تطبق الشريعة الإسلامية ، حكومات كافرة كفرا أكبر في نظرهم ، وينبغي جهادها حتى تحكم بالشريعة الإسلامية . وترتب على هذه الشبهة تكفير المحكومين ([5]) الذين يرضون بفعل أولئك الحكام واستباحة دماءهم وأموالهم ([6]). ومن أدلتهم على ذلك ما يلي:

1ـ قوله تعالى :â `tBur óO©9 Oä3øts !$yJÎ/ tAuRr& ª!$# y7Í´¯»s9'ré'sù ãNèd tbrãÏÿ»s3ø9$# ÇÍÍÈ á[7].

قوله تعالى :  Ÿxsù y7În/uur Ÿw šcqãYÏB÷sム4Ó®Lxm x8qßJÅj3ysム$yJŠÏù uyfx© óOßgsY÷t/ §NèO Ÿw (#rßÅgs þÎû öNÎhÅ¡àÿRr& %[`uxm $£JÏiB |MøŠŸÒs% (#qßJÏk=|¡çur $VJŠÏ=ó¡n@ ÇÏÎÈ á[8] .                                                                                                                                                                                      

3ـ قوله تعالى : â Èbr&ur Nä3ôm$# NæhuZ÷t/ !$yJÎ/ tAuRr& ª!$# Ÿwur ôìÎ7®Ks? öNèduä!#uq÷dr& öNèdöx÷n$#ur br& x8qãZÏFøÿtƒ .`tã ÇÙ÷èt/ !$tB tAuRr& ª!$# y7øs9Î) ( bÎ*sù (#öq©9uqs? öNn=÷æ$$sù $uK¯Rr& ߃͍ムª!$# br& Nåkz:ÅÁムÇÙ÷èt7Î/ öNÎkÍ5qçRèŒ 3 ¨bÎ)ur #[ŽÏWx. z`ÏiB Ĩ$¨Z9$# tbqà)Å¡»xÿs9 ÇÍÒÈ zNõ3ßssùr& Ïp¨ŠÏ=Îg»yfø9$# tbqäóö7tƒ 4 ô`tBur ß`|¡ômr& z`ÏB «!$# $VJõ3ãm 5Qöqs)Ïj9 tbqãZÏ%qムÇÎÉÈ á [9] . قالوا وجه الدلالة أن هذه الآيات قد نصت على وجوب تطبيق شرع الله ، ونفت الإيمان عمن لم يحكم بشرع الله ووصفت حكمه بأنه حكم جاهلية ، فهو كافر إذن.

4ـ حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " ([10]) . قالوا إن العلماء قد ذكروا أن من ترك شرع الله ولم يحكم به، قد ارتكب كفرا بواحا وناقضا من نواقض الإسلام العشرة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب عند كلامه على نواقض الإسلام : " الرابع : من اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه ، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه ، فهو كافر " ([11]).

5 ـ حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب، يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره . ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ([12]).

  قالوا وهذا فيه وجوب قتال تلك الخلوف باليد واللسان والقلب ومن لم يفعل ذلك فليس بمؤمن . 

   والرد على تلك الشبهة من عدة أوجه :

الوجه الأول: الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل :

  صحيح أن كثيرا من الدول الإسلامية قد تركت الحكم بشرع الله، وطبقت بدلا منه القوانين الوضعية التي استوردتها من الغرب ، ولم يسلم من هذا الخطأ الفادح إلا النزر اليسير من تلك الدول ، من أهمها المملكة العربية السعودية ، التي سعت منذ تأسيسها للعمل على تطبيق شرع الله  في جميع نواحي الحياة ، فقدمت بذلك نموذجا يحتذى به لبقية الدول الإسلامية .

   وقد بيّن بعض الفقهاء كالماوردي ([13]) ، والسبيل ([14])، واجبات الإمام أو ولي الأمر ومن أهمها العمل بالأحكام الشرعية وتطبيقها بين الناس . والسؤال هل كل حكومة عربية أو إسلامية تركت الحكم بشرع الله تكون كافرة كفرا أكبر بإطلاق ودون ضوابط ؟ أم أن الأمر فيه تفصيل ينبغي الرجوع إليه ؟

  الصواب هو الثاني. فكلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجمل، وقد فصّله حفيده الشيخ محمد بن إبراهيم ، فقسم هذا الناقض إلى الأقسام التالية ([15]) :

1ـ أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله .

2ـ أن يعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع ، إما مطلقا أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال .

3ـ أن يعتقد أن حكم غير الله مثل حكمه .

4ـ أن يعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله .

5ـ المحاكم التي تحكم بالقانون الفرنسي أو القانون الأمريكي أو القانون البريطاني وغيرها من القوانين .

6ـ ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم ، من حكايات آبائهم وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها " سلومهم " يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحصلون على التحاكم إليه عند النزاع، إبقاء على أحكام الجاهلية ، وإعراضا ورغبة عن حكم الله ورسوله .

   ثم ذكر الشيخ ابن إبراهيم قسما سابعا لا يخرج من الإسلام وهو أن تحمل الحاكم " شهوته وهواه على الحكم في القضية ، بغير ما أنزل الله ، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى " .

   ويقول ابن أبي العز : " وهنا أمر يجب أن يتفطن له ، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل من الملة ، وقد يكون معصية ؛ كبيرة أو صغيرة . ويكون كفرا ؛ إما مجازيا ، وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين . وذلك بحسب حال الحاكم ؛ فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر ، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا عاص ، ويسمى كافرا كفرا مجازيا ، أو كفرا أصغر . وإن جهل حكم الله فيها ، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه ، فهذا مخطئ له أجره على اجتهاده وخطؤه مغفور " ([16]).

   إذن ، الحكم بغير ما أنزل فيه تفصيل ؛ فمنه كفر أكبر ومنه كفر أصغر ، والذي يحدد هذا الشيء ، هم العلماء الربانيون الراسخون في العلم ، وهم لا يلجأون إلى التكفير إلا في أضيق نطاق ، وعندما تتوافر شروطه كالبلوغ والعقل ، وتنتفي موانعه كالجهل ، والإكراه ، والتأويل ونحو ذلك ، وبخاصة ما يلي ([17]):

1ـ أن يكون التكفير بسبب مكفر قولي أو فعلي ، لا يحتمل غيره بأدلة قطعية .

2ـ أن يثبت ذلك السبب بأدلة شرعية ويستمر على ذلك السبب حتى لحظة صدور الحكم عليه بالكفر ، أي لم يعلن رجوعه عنه وتوبته منه .

3ـ عدم وجود موانع تمنع من الحكم عليه بالكفر ، مع اعتبار السبب مكفرا ، كالجهل والإكراه والخطأ وغير ذلك .

4ـ أن يصدر الحكم بالكفر من حاكم أي قاض شرعي ، بعد قيام الأدلة والحجج لديه وعدم وجود الموانع . فالحكم بالكفر من اختصاص القضاء الشرعي وليس من اختصاص الجماعات الإرهابية .

5ـ لا يحكم بالكفر على الشخصيات الاعتبارية كالدولة ، والمجتمع ، والحكومة ، والنظام ، والشعب ؛ لأنها ليست محلا للتكليف ، إنما محل التكليف هو الشخص الطبيعي .

   فمن الذي يستطيع أن يطبق هذه الشروط ويتأكد من انتفاء تلك الموانع في حق تلك الحكومات ؟ وهل كان كفرها كفرا أكبر أم كفرا أصغر ؟   لا شك أن ذلك في غاية الصعوبة ، ولم يكلفنا الله عز وجل به . ثم كيف تكفر تلك الحكومات وفيها وزراء يرون وجوب الحكم بشرع الله وبخاصة وزراء الشؤون الإسلامية والأوقاف وغيرهم ، ثم إن لفظة "الحاكم " تطلق في النصوص وفي كلام المتقدمين على " القاضي " فيكون هو المقصود بالوعيد ، وأما المتأخرون فيطلقونها على الإمام الأعظم سواء سمي رئيسا أو ملكا أو سلطانا أو أميرا . ومعلوم أنه لا يحكم وإنما ينفذ الحكم الذي أصدره القاضي ، بل إن الذي يشرّع الدساتير والقوانين المعاصرة ليس القاضي ولا الرئيس وإنما هو المجالس النيابية، وقد يريد هو الحكم بالشرع وهم لا يريدون ، فيكونون هم المقصودين بالوعيد دونه ، فكيف يكفر الرئيس ووزراؤه في هذه الحال بشيء لم يقترفوه ! وهذا يدل على بطلان تلك الشبهة . 

الوجه الثاني : عدم جواز الخروج على الحاكم إلا في حال الكفر الأكبر :  

   طاعة ولي الأمر الشرعي الذي تمت له البيعة ويقود الناس ويحكمهم بشرع الله، واجبة ، ولا يجوز الخروج عليه إلا إذا صدر منه كفر بواح. ومن الأدلة على ذلك ما يلي :

1ـ ما رواه وائل الحضرمي قال : سأل سلمة بن يزيد الجُعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ، ويمنعونا حقنا ، فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثالثة ، فجذبه الأشعث بن قيس ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليهم ما حُمّلوا ، وعليكم ما حُمّلتم " ([18]).

2ـ ما رواه عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم (أي يدعون لكم وتدعون لهم) ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم " قيل : يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ، فقال :" لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه ، فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدا من طاعة " ([19]).

  وأما حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ". فلا يستقيم للإرهابيين الاستدلال به . وينبغي بيان معنى الحديث عند العلماء ومتى يعمل به حتى يكون الناس على بصيرة . فمعنى " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " أي كفرا ظاهرا ، تعلمونه من دين الله . ومعنى الحديث : لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم ، إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم ، وقولوا بالحق حيث ما كنتم . وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين . وأجمع أهل السنة أنه لا يُعزل السلطان بالفسق ؛ لما يترتب على ذلك من الفتن ، وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين ، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه . وأجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل ، وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعوة إليها ، وكذلك لو دعا إلى بدعة ، فلو طرأ عليه كفر أو بدعة ، خرج عن حكم الولاية ، وسقطت طاعته ، ووجب على المسلمين القيام عليه ، وخلعه ونصب إمام عادل ، إن أمكنهم ذلك ، فإن لم يقع ذلك ، إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه ، فإن تحققوا العجز ، لم يجب القيام ، ويهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ، ويفر بدينه ([20]).

  إذن ، لا يجوز الخروج على ولي الأمر إلا في حال الكفر الأكبر وفقا لشروط منها ([21]):

1ـ أن يكون الكفر صريحا ظاهرا للأمة عليه برهان من الله .

2ـ أن يناصح الإمام قبل الخروج عليه فلا يقبل النصح .

3ـ أن تتوافر القدرة على عزله .

4ـ ألا يترتب على عزله مفسدة أكبر من مفسدة بقائه .

5ـ أن يوجد شخص أفضل منه يمكن أن يحل محله .

  فإذا لم تتوافر هذه الشروط كاملة فلا يجوز الخروج على ولي الأمر .

الوجه الثالث : عقوبة من خرج على الحاكم الذي لم يصدر منه كفر أكبر :

   من خرج على الإمام في حال عدم وجود كفر أكبر بالشروط السابقة فإنه يترتب عليه ما يلي :

1ـ أنه إن مات ، مات ميتة جاهلية . لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبرا ، مات ميتة جاهلية " ([22]).

  براءة النبي صلى الله عليه وسلم منه . لما  رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة ، فمات ، مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عُمّيّة، يغضب لعَصَبَة أو يدعو إلى عصبة ، أو ينصر عصبة ، فقُتل ، فقِتلَة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ، ولا يتحاشَ من مؤمنها و لا يفي لذي عهد عهده ، فليس مني ولست منه " ([23]) .

   وقيل في معنى ميتة جاهلية : أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم . والعمية هي الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه . وقاتل للعصبة معناه إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه . ومعنى قوله خرج على أمتي أي لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله وعقوبته ([24]) . ولعل الصواب في معنى ميتة جاهلية :التنفير من الخروج على ولي الأمر ، وأن من مات وهو خارج على السلطان ، فكأنه مات في الجاهلية ، أي على غير ملة الإسلام .

والحديث ينطبق تماما على ما يفعله الإرهابيون في هذا الزمن من التفجيرات التي يذهب ضحيتها الأبرياء سواء كانوا من المسلمين أم من المعاهدين . ويؤيد هذا الحديث ما رواه أيضا أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حمل علينا السلاح فليس منا ، ومن غشنا فليس منا " ([25]).

3ـ أنه يلقى الله يوم القيامة لا عذر له ولا حجة ، وذلك لما رواه  نافع قال : جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مُطيع ، حين كان من أمر الحرة ما كان ـ زمن يزيد بن معاوية ـ فقال : اطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة ، فقال : إني لم آتك لأجلس ، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من خلع يدا من طاعة ، لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة ، مات ميتة جاهلية " ([26]).

4ـ أن جزاء من أراد أن يفرق أمر جماعة المسلمين سواء كان من الإرهابيين أو غيرهم هو القتل ، لما رواه عرفجة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ستكون هنّات وهنّات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ، فاضربوه بالسيف ، كائنا من كان " وفي رواية " فاقتلوه " ([27]).

  والهنات المراد بها الفتن والأمور الحادثة . وهذا الحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام ، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك ، وينهى عن ذلك ، فإن لم ينتهِ قوتل ، وإن لم يندفع شره إلا بقتله ، فقتل، كان دمه هدرا ([28]).

الوجه الرابع : المسلمون لا يجاهد بعضهم بعضا :

   فحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المتقدم الذي استدل به الإرهابيون  على استحلال قتال المسلمين سواء كانوا حكاما أو محكومين ونصه : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب ، يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره . ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". لا يُسَلَّم للإرهابيين الاستدلال به لما يلي :

1ـ أن ما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان ، فهو حيث لا يلزم منه إثارة فتنة . على أن هذا الحديث مَسُوق فيمن سبق من الأمم ، وليس في لفظه ذكر لهذه الأمة ([29]).

2ـ الجهاد المشار إليه ليس قتالا وإنما أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر للذين يرتكبون المعاصي ، فهو جهاد بمعناه الواسع .

3ـ أن عبارة " وليس وراء ذلك حبة خردل " لا تعني انتفاء الإيمان بالكلية والانتقال إلى الكفر كما هو معتقد الخوارج والمعتزلة ، وإنما تعني نفي الإيمان الكامل كما هو معتقد أهل السنة والجماعة في مثل تلك النصوص .

4ـ أن الجهاد شرع لقتال الكفار المحاربين ولم يشرع لقتال الحاكم الذي لم يصدر منه كفر أكبر ولا لقتال المسلمين الذين لم يبغوا على ولي الأمر .

 

 

المبحث الثاني

 شبهة وجوب إخراج اليهود والنصارى

من جزيرة العرب

 

       يرى الإرهابيون وجوب إخراج اليهود والنصارى وسائر المشركين من جزيرة العرب ولو كانوا معاهدين لنا وتربطنا مع دولهم علاقات دبلوماسية ، ويرتبون على ذلك جواز خطفهم وقتلهم رجالا ونساء . واستدلوا بما يلي :

أ ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث منها : "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"   ([30]).

ب ـ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما" ([31]) .

    وجه الدلالة من الحديثين عند الإرهابيين هو أن المقصود بالإخراج هنا هو عدم جواز إقامة اليهود والنصارى في جزيرة العرب ، سواء كانت إقامة دائمة أم مؤقتة.

ج ـ احتجوا بأن الدول غير الإسلامية إذا اعتدت على دولة إسلامية فإن عهدها مع بقية الدول الإسلامية يبطل وتكون محاربة لها ويصبح رعاياها عندها مهدري الدم يجوز لنا قتلهم وخطفهم ونحو ذلك ([32]).

 والرد على هذه الشبهة من عدة أوجه :

الوجه الأول : حكم إقامة المعاهدين في بلاد المسلمين :

  إقامة المعاهدين في أرض المسلمين ، يمكن التفصيل فيها على النحو التالي : 

1 ـ حرم مكة : اختلف الفقهاء في دخول المعاهدين له على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز دخولهم ومن باب أولى إقامتهم فيه . وهو قول الجمهور : من الشافعية ([33]) والحنابلة ([34]) . واستدلوا بقوله تعالى :

 â $ygƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#ûqãZtB#uä $yJ¯RÎ) šcqä.ÎŽô³ßJø9$# Ó§pgwU Ÿxsù