الزوار الحاليين : 5
زوار اليوم: : 35
مجموع الزوار : 17,680
الصفحات المقروءة : 61,601
أخبار الموقع

لا يوجد مادة.

: مقالات اقتصادية
طباعة

  : مقالات اقتصادية
معالجة سعر صرف العملة في ضوء السياسة الشرعية
 

معالجة سعر صرف العملة في ضوء السياسة الشرعية [1]

 

    في الآونة الأخيرة كثرت الكتابات عن مشكلات السياسة النقدية ، وبالأخص قيمة العملة المحلية ومدى تأثرها بالتضخم أو بسبب تدهور قيمة العملة المربوطة بها . وكانت أهم الحلول هي : تغيير صرف الريال مقابل الدولار ، أو فك ارتباط الريال بالدولار وربطه بسلة عملات ، أو فك ارتباط الريال بالدولار وجعله حرا خاضعا للعرض والطلب . وقد أحببت إضفاء الطابع الشرعي على ذلك الموضوع لكي تكتمل الفائدة . وفي هذا المقال سأتحدث عن بعض الجوانب الاقتصادية الأساسية في قضايا العملة التي يبنى عليها الحكم الشرعي ثم بيان الحكم نفسه في مقال لاحق .

يمكن تعريف قيمة العملة بأنها " مقدار الأشياء عامة التي يمكن مبادلتها بوحدة النقود ".  ولقيمة العملة نوعان هما :

1 ـ القيمة الحقيقية : وهي مقدار السلع والخدمات التي يمكن أن تبادل بها وحدة النقد في السوق الداخلية . وهذه القيمة تتغير تبعا لتغير الأسعار . وتتأثر قيمة العملة الحقيقية بمجموعة من العوامل منها ما يلي:

أـ التغير في قيمة الصادرات والواردات : فبينما يؤدي زيادة الصادرات أو انخفاض الواردات إلى ارتفاع قيمة العملة ، يؤدي العكس إلى انخفاضها.

ب ـ التغير في معدل التضخم : فبينما يؤدي انخفاض معدل التضخم المحلي عن معدلات التضخم في الدول التي تعاملها الدولة ، إلى زيادة قيمة عملتها ،  يؤدي العكس إلى انخفاضها .

ج ـ التغير في معدل الفائدة : فبينما يؤدي ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية المحلية بالنسبة إلى معدلات الفائدة الحقيقية الدولية ، إلى ارتفاع قيمة العملة ، يؤدي العكس إلى انخفاضها .

د ـ حركة رؤوس الأموال الدولية من قروض واستثمارات :  فقدوم رؤوس الأموال إلى البلد يعني تحويل تلك الأموال من عملات أجنبية إلى العملة المحلية مما يعني زيادة الطلب على العملة المحلية ومن ثم ارتفاع سعرها ، أما خروج هذه الأموال فيعني عرض المزيد من العملة الوطنية للحصول على العملة الأجنبية ومن ثم انخفاض قيمة العملة المحلية.

   ولذلك فإن المضاربات في الأسواق العالمية ، تعد من أهم العوامل المحددة لقيمة العملة . إضافة إلى عوامل أخر تسهم في تحديد قيمة العملة وطريقة تحسينها.

2 ـ سعر الصرف : ويعني " قيمة وحدة النقد المحلية مقدرة بوحدات النقد الأجنبية ". أو العكس أي " قيمة وحدة من العملة الأجنبية مقدرة بوحدات من العملة الوطنية ".

  ويراعى عند تغيير سعر الصرف العوامل السابقة المؤثرة في القيمة الحقيقية للعملة. وقد مرت أسعار صرف العملات الورقية في العالم بثلاث مراحل مهمة هي :

أـ مرحلة نظام الذهب : ويعني ربط العملات بالذهب ، فكل دولة تحدد قيمة عملتها بالذهب وتكون مغطاة به ، وبناء عليه يحدد سعر صرفها مع العملات الأخر . وكان هذا النظام سائدا حتى الثلاثينيات الميلادية من القرن الماضي عندما أثرت أزمة الكساد الكبير في نظام الذهب مما أدى إلى انهياره ، وظهور نظام سعر الصرف الثابت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .

ب ـ مرحلة نظام سعر الصرف الثابت : ظهر هذا النظام في مؤتمر "بريتون وودز" بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1944م، حيث اتفق فيه على إنشاء نظام نقدي عالمي جديد ، يعتمد على نظام سعر الصرف الثابت للعملات جميعها ، وذلك بربط الدولار بالذهب بحيث يكون سعر صرفه 35 دولارا للأوقية الواحدة ، كما اتفق على جعل الدولار الأمريكي عملة رئيسة في العالم يتحدد على أساسها سعر صرف العملات الأخر . وجعل من أهداف صندوق النقد الدولي : الرقابة على أسعار الصرف والمحافظة على استقرار هذا النظام .

ج ـ مرحلة فك الارتباط بين الدولار والذهب : منذ فترة الستينيات الميلادية ، أخذ نظام " بريتون وودز" في الانهيار ، وكان من أسباب انهياره، عدم كفاية الذهب الموجود في خزانة الولايات المتحدة الأمريكية لتلبية طلبات تحويل الدولار إلى ذهب ، إضافة إلى ظهور قوى اقتصادية كبرى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية مثل : ألمانيا الغربية ، واليابان ، حيث ضعف الدولار الأمريكي مقابل عملتي هاتين الدولتين ، مما اضطر الرئيس الأمريكي الأسبق " نيكسون" إلى اتخاذ قرار في عام 1971م يقضي بوقف تحويل الدولار إلى ذهب ، وتعويم سعر صرف الدولار بمعنى جعله متغيرا خاضعا للعرض والطلب ، وأصبحت كل دولة تختار الترتيبات الخاصة بنظام سعر الصرف الذي يلائم أوضاعها ، بأحد النظامين التاليين:

الأول : نظام ربط أو تثبيت سعر صرف العملة الوطنية بعملة أجنبية قوية، أو ربطها بسلة عملات أجنبية ، أو بحقوق السحب الخاصة وهي وحدة حسابية يستعملها صندوق النقد الدولي .

الثاني : نظام سعر الصرف المتغير ويشمل : نظام سعر الصرف الحر ، ونظام سعر الصرف المرن أو الموجه .

    وفيما يلي بيان للنوعين والمصالح والمفاسد في كل منهما:

أ ـ نظام الربط : في هذا النظام تثبت الدولة العلاقة بين العملة المحلية والعملات الأجنبية خلال فترة زمنية محددة ، بربط سعر العملة المحلية  بعملة أجنبية ، أو بسلة من العملات الأجنبية ، أو بحقوق السحب الخاصة. ولا تتغير قيمة العملة إلا بقرار من الدولة نفسها. وهذا الأسلوب هو الشائع في معظم الدول النامية .

    ويتميز هذا النظام بعدم تعرض العملة للتقلبات الدورية التي تحدث في الأسواق العالمية ، ويقلل المخاطر المالية في المعاملات الآجلة. ومما يعاب عليه أنه لا يتفق والتغيرات التي تحدث في الأسعار الداخلية والخارجية، مما يجعل سعر العملة في الغالب ، مقوما بأعلى من قيمته الحقيقية . كما أن تطبيقه يتطلب رقابة على أسعار الصرف  ، أو فرض رسوم جمركية على الواردات .

ب ـ نظام سعر الصرف المتغير : بحيث يكون سعر الصرف حرا يحدده السوق بحسب عوامل العرض والطلب . وهذا الأسلوب نادرا ما تأخذ به الدول ؛ لما يكتنفه من مشكلات بسبب المضاربات على العملة ، وتغيير الدول لأسعار عملاتها . لكن قد يوجد في الأسواق السوداء التي تكون أسعارها عادة مصاحبة للسعر الرسمي في الدول التي تنتهج سعر الصرف المثبت . ولذلك فإن الدول المتقدمة تلجأ إلى ما يسمى بسعر الصرف المرن أو المدار أو الموجه ، حيث يكون التحديد من عوامل السوق : العرض والطلب ، مع تدخل الدولة في حالات معينة عندما يستدعي الأمر ذلك . وتسمح معظم الحكومات بحدوث تقلبات سعر الصرف المرن في حدود 10% ارتفاعا أو انخفاضا . ومن الوسائل تتبعها الدول المتقدمة للحفاظ على سعر الصرف المرن ما يلي :

أ ـ بيع وشراء العملة . فعندما ترغب الدولة تخفيض سعر عملتها ، فإنها تتدخل ببيع العملة المحلية وشراء العملات الأجنبية ، والعكس بالعكس عندما ترغب رفع سعر عملتها . والعمل بهذا النظام يتطلب توافر حصيلة من النقد الأجنبي لاستعمالها في المحافظة على سعر الصرف الملائم .

ب ـ  العمل بنظام الفائدة المصرفية . فعندما ترغب الدولة زيادة قيمة عملتها ، ترفع معدلات الفائدة على الودائع من عملتها ، وعندما ترغب الدولة تخفيض عملتها ، تخفض معدلات الفائدة على الودائع من تلك العملة.

    ويتميز نظام سعر الصرف المتغير بنوعيه : الحر والمرن ، بضمان مرونة السياسة النقدية، واستقلال عملة الدولة عن العملات الأخر ، والمساهمة في تحديد الأسعار والأجور على أسس واقعية ، كما أنه يساهم في إعادة التوازن لميزان المدفوعات بشرط أن تكون الصادرات والواردات مرنة. فانخفاض سعر العملة يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات فيقل الطلب عليها، كما يؤدي إلى انخفاض أسعار الصادرات فيزيد الطلب عليها ، مما يؤدي إلى إعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات .

    ومن أهم عيوبه ، أنه يؤدي إلى التقلبات الشديدة في سعر العملة في المدى القصير، بسبب المضاربة على العملات ، مما يؤثر تأثيرا ضارا بالتجارة الدولية ، وبحركة رؤوس الأموال ، حيث لا يقدم المستثمرون والمصدرون والمستوردون على تحمل مخاطر التغيير في قيمة العملة ، وبخاصة إذا لم يكن في البلد أسواق مالية متطورة . 

    وفي المقال القادم سأبين ـ إن شاء الله ـ حكم أسعار صرف العملة في الشريعة الإسلامية .

 



[1]   مقالة للمشرف  نشرت في جريدة الاقتصادية ، العدد 5123 وتاريخ  10 شوال 1428هـ 21 أكتوبر 2007 م .





 
حقوق النشر والطبع © 1427هـ الإسلام و الاقتصاد . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2006 www.islamecon.com . All rights reserved