|
معالجة ارتفاع الأسعار وفقا للسياسة الشرعية
" سياسة التسعير "
نصت المادة الخامسة والستون من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية على ما يلي : " يقوم الملك بسياسة الأمة سياسة شرعية طبقا لأحكام الإسلام ". والسياسة الشرعية هي العمل بما جاء في الشرع من تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع في المجالات : السياسية ، والاقتصادية، والاجتماعية ، إضافة إلى ما يتخذه ولي الأمر من نظم وإجراءات في المجالات التي لم يرد بها نص . كما يشمل تنظيم العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى . وعندما برزت مشكلة ارتفاع الأسعار التي تعرض لها الاقتصاد السعودي مؤخرا ، اقترح بعض الاقتصاديين معالجتها بوسائل أهمها : التسعير، ودعم الأسعار . وتساءل الناس عن حكم هاتين الوسيلتين في الشريعة الإسلامية ؟
فكان من الواجب على أهل العلم بيان الحكم الشرعي في ذلك . وسأتحدث عن التسعير في هذا المقال وأرجئ الحديث عن حكم دعم الأسعار إلى مقال لاحق إن شاء الله تعالى .
فالتسعير هو أن يسعر الإمام أو نائبه على الناس سعرا ويجبرهم على التبايع به . وأما حكمه، فقد اختلف فيه الفقهاء المتقدمون على قولين هما :
القول الأول : هو تحريم التسعير ومنعه مطلقا . وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وأهم أدلتهم هو حديث أنس رضي الله عنه قال : " غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، سعّر لنا، فقال : " إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى ربي ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال . ودلالة الحديث على تحريم التسعير مطلقا ـ كما يقول ابن قدامة ـ من وجهين ؛ أحدهما : أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه . ثانيهما : أنه علل بكونه مظلمة ، والظلم حرام ؛ ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان .
القول الثاني : أن الأصل هو تحريم التسعير لكن يجوز عند الحاجة . وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية وبعض المحققين من الحنابلة. وقد استدلوا بأدلة أهمها المصلحة : وهي أن غلاء السعر مضر بعامة الناس ، وقد جاءت الشريعة بإزالة الضرر عموما ، وتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ، فيجب تحديد السعر ومنع الغلاء ؛ مراعاة لمصلحة العامة وهم المشترون ، وإهدارا لمصلحة الخاصة وهم البائعون .
والقول بجواز التسعير عند الحاجة العامة هو القول الراجح ؛ لأنه يجمع بين أدلة الشريعة ، ذلك أن مناط النهي في حديث أنس هو منع ظلم التجار، فلا يُسعر عليهم في حالة كون الأسعار قد تحددت بناء على عوامل العرض والطلب ، أما إذا كانت الأسعار قد رفعت بأسباب مفتعلة بحيث يكون فيها ظلم واقع من التجار على المشترين ، فإن التسعير لا يمتنع في هذه الحالة ، بل يجوز حينئذ للمصلحة وهي رفع الظلم عن المشترين ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ بشرطين :
أحدهما : أن يكون فيما حاجته عامة للناس جميعهم .
وثانيهما : ألا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب .
كما صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة في دورته الخامسة عام 1409هـ ، حيث أجاز تدخل ولي الأمر في النشاط الاقتصادي عند الحاجة ومن ذلك التسعير، مع تأكيده أن الأصل في الإسلام هو حرية النشاط الاقتصادي ، وقد جاء في القرار:
" 1 ـ الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ، ترك الناس أحرارا، في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم ، في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها ، عملا بمطلق قول الله تعالى: â $yg•ƒr'¯»tƒ tûïÏ%©!$# (#qãYtB#uä Ÿw (#ûqè=à2ù's? Nä3s9¨uqøBr& Mà6sY÷t/ È@ÏÜ»t6ø9$$Î/ HwÎ) br& šcqä3s? ¸ou»pgÏB `tã <Ú#us? öNä3ZÏiB á.
2ـ ليس هناك تحديد لنسبة معينة من الربح ، يتقيد بها التاجر في معاملاته، بل ذلك متروك لأحوال التجارة عامة وأحوال التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية ، من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.
3 ـ تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية ، على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش ، والخديعة ، والتدليس ، والاستغفال، وتزييف حقيقة الربح ، والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة.
4 ـ لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير ، إلا حيث يجد خللا واضحا في السوق والأسعار ، ناشئا من عوامل مصطنعة ، فإن لولي الأمر حينئذ ، التدخل بالوسائل العادية الممكنة ، التي تقضي على تلك العوامل ، وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش " .
وإذا عدنا إلى شرطي جواز التسعيرالمتقدمين ، فيمكن أن يكون التسعير في بعض السلع التي تكون حاجتها عامة للناس كالأرز أو الشعير ، التي يثبت أن ارتفاع أسعارها ليس بسبب زيادة الطلب عليها أو نقص العرض منها وإنما بسبب احتكار التجار أو تلاعبهم ونحو ذلك ، وهذا يرجع إلى تقدير ولي الأمر والجهات المختصة .
|