تنقسم أهداف العولمة الاقتصادية إلى قسمين : أهداف معلنة وأهداف خفية . وتتميز الأهداف المعلنة بأنها جذابة ، مما جعل بعض مفكري الدول النامية يؤيدها ويتحمس لها. ومن تلك الأهداف المعلنة كما يذكر الحاجي ما يلي:
1ـ تقريب الاتجاهات العالمية نحو تحرير أسواق التجارة ورأس المال.
2ـ زيادة الإنتاج ، وتهيئة فرص النمو الاقتصادي على المستوى المحلي والعالمي .
3ـ زيادة حجم التجارة العالمية ، مما يؤدي إلى الانتعاش الاقتصادي العالمي.
4ـ زيادة رأس المال في العالم بالاستعمال الأفضل للعمال ذوي الإنتاج المرتفع .
5ـ حل المشكلات الإنسانية المشتركة التي لا يمكن أن تحلها الدول بمفردها ، مثل : انتشار أسلحة الدمار الشامل، وانتشار المخدرات ، وقضايا البيئة ، وانتقال الأيدي العاملة من دولة أو منطقة إلى أخرى .
هذه هي أهم أهداف العولمة الاقتصادية في نظر المؤيدين لها . ويلاحظ أن الهدف الأول وهو تقريب الاتجاهات العالمية نحو تحرير أسواق التجارة ورأس المال ، من أهداف النظام الرأسمالي والأسس التي يرتكز عليها ، وهو يعني عولمة الاقتصادات العالمية وصبغها بالصبغة الرأسمالية .
وعلى كل ، فهذه الأهداف تتفق وما هو معلن من أهداف في اتفاقيات إنشاء المنظمات الاقتصادية التي تخطط لسياسات العولمة الاقتصادية وتنفذها ، كالبنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية. فمثلا من أهداف صندوق النقد الدولي : تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية ، ومن ثم الإسهام في تحقيق مستويات مرتفعة من التشغيل والدخل الحقيقي ، وتنمية الموارد الإنتاجية للبلدان الأعضاء ، على أن يكون ذلك من الأهداف الأساسية لسياساتها الاقتصادية ، وإلغاء القيود المفروضة على معاملات الصرف المعرقلة لنمو التجارة الدولية .
ومن أهداف البنك الدولي : المساهمة في تعمير الدول الأعضاء ، والعمل على تقدمها الاقتصادي، بتوجيه رؤوس الأموال إلى الأغراض الإنتاجية ، وتشجيع مشروعات تنمية المرافق الإنتاجية والموارد الاقتصادية في البلدان الأقل نموا ، وتشجيع الاستثمار الأجنبي ، والعمل على نمو التجارة الدولية ، نموا متوازنا طويل المدى ، والمحافظة على توازن حسابات المدفوعات الدولية ، بتشجيع الاستثمار الدولي ، لتوسيع نطاق موارد الإنتاج في الدول الأعضاء ، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ، ورفع مستوى المعيشة والعمل في الدول الأعضاء .
ومن أهداف منظمة التجارة العالمية : رفع مستوى المعيشة والدخل ، وتحقيق التشغيل الكامل وتحقيق نمو اقتصادي كبير ، وزيادة الإنتاج وتوسيع التجارة في السلع والخدمات ، والاستعمال الأفضل للموارد العالمية وفقا لأهداف التنمية ، وحماية البيئة والحفاظ عليها بما يتوافق ومستويات التنمية الاقتصادية الوطنية .
والسؤال الذي يطرح نفسه هو : إذا كانت أهداف تلك المنظمات المعلنة بهذه الصورة الجيدة ، فلماذا لم تتحقق في البلدان النامية على مدى ستين عاما ، هو عمر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ؟
هناك احتمالان :
الأول : ما تدعيه تلك المنظمات والدول الغربية ، من أن السبب هو الدول النامية نفسها ؛ لأنها لا تلتزم بالسياسات التي تقترحها تلك المنظمات ، لتحقيق الأهداف المعلنة .
الثاني:أن السبب هو الدول الرأسمالية التي تمكنت ـ بما لها من نفوذ مالي وسياسي ـ من السيطرة على تلك المنظمات ووجهتها لتحقيق مصالحها حتى وإن عارضت مصالح الدول النامية .
وهذا السبب هو ما جعل المعارضين للعولمة ـ كهانس بيتر مارتين ، وهارلد شامان ، وتشوسودوفيسكي ، وجون بلجر من الغربين ، وعبد الكريم بكار ، وسعد الدين الصالح ، ومحمد الحاجي من المسلمين ـ يدعون أن لها أهدافا خفية ، يصفونها بأنها أهداف ضارة وخطرة في الوقت نفسه ، تسعى تلك المنظمات إلى تحقيقها. ومن تلك الأهداف الخفية في نظرهم ما يلي:
1ـ هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي على الاقتصاد العالمي بوسائل منها : الاحتكارات والشركات الكبرى .
2ـ التحكم في مركز القرار السياسي في دول العالم ، لتحقيق المصالح الأمريكية والأوربية .
3ـ تعميق الخلاف بين الدول والحضارات والمجموعات البشرية المختلفة، والاتفاق على خطط معينة للصراع على المصالح .
4ـ فرض السيطرة العسكرية والثقافية الغربية على الشعوب النامية ، بقصد نهب مواردها وثرواتها الوطنية . وحقبة الاستعمار الغربي للبلدان النامية قديما وحديثا شاهدة بذلك .
5ـ القضاء على المشاعر الوطنية والهوية الثقافية ، وربط الإنسان بالعالم لا بالدولة ؛ لإسقاط هيبة الدولة .
فاتضح مما سبق ، أن المؤيدين للعولمة الاقتصادية نظروا إلى أهدافها النظرية ، أي كما جاءت في اتفاقيات إنشاء منظمات العولمة الاقتصادية . في حين أن المعارضين لها نظروا إلى أهداف العولمة الاقتصادية من جهة ما تمارسه تلك المنظمات ومن يوجهها في واقع الدول النامية من سياسات وما نتج عن ذلك من نتائج . ومعلوم أن الكلام النظري قد يختلف عن التنفيذ ، كما أن الأهداف المعلنة قد تختلف عن الأهداف الخفية .
ومن تابع عمل منظمات العولمة الاقتصادية في الدول النامية يجد أدلة واقعية ترجح الأهداف الخفية للعولمة الاقتصادية على الأهداف المعلنة ، منها ما يلي:
1ـ أنه لو كانت أهداف العولمة كما هو معلن ، لما رأينا المظاهرات ، تنطلق في كل بلد تتبع فيه سياسات منظمات العولمة الاقتصادية ، بل وفي كل بلد تعقد فيه مؤتمرات أو ندوات العولمة وسياساتها ، حتى إن هذه المظاهرات قد انطلقت من البلدان المصدرة للعولمة نفسها . مما يعني أن العولمة الاقتصادية ، إنما تسعى إلى تحقيق مصالح أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى وبخاصة متعددة الجنسية ، وليست لتحقيق مصالح المواطن الغربي ، دعك من تحقيق مصالح مواطني البلدان النامية.
2ـ أن الأهداف المعلنة تعارض سياسات منظمات العولمة الاقتصادية عند التنفيذ . فرفع مستوى المعيشة وزيادة الدخل من أهداف العولمة الاقتصادية المعلنة، يعارض سياسة إزالة دعم السلع المعيشية أو زيادة الضرائب أو الخصخصة وما يترتب عليها من بطالة ؛ لأن هذه السياسات يترتب عليها انخفاض دخول بعض الفئات الاجتماعية والدخول القومية وليس زيادتها .
3ـ أن السياسات المنفذة مبنية على النموذج الغربي في التنمية ، النابع من النظريات الاقتصادية الغربية ، وهو أمر يفرض على الدول النامية فرضا، ولا يؤخذ رأيها فيه ، مما يؤكد الأهداف الخفية المتمثلة بعولمة اقتصادات الدول النامية وربطها بالنموذج الرأسمالي الغربي.
4ـ أن الدول الكبرى الدائنة تربط الموافقة على جدولة الدين ( قلب الدين) المستحق على الدول النامية ، بإحضار خطاب من صندوق النقد الدولي يثبت خضوعها لسياساته وسياسات البنك الدولي . مما يؤكد أن الهدف من تلك السياسات هو جعل البلد الذي تنفذ فيه ، قادرا على تسديد ديونه الخارجية ، ومسهلا تحويل أرباح الاستثمارات الأجنبية إلى الخارج ، دون العمل على تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية في ذلك البلد . وهذا من الأهداف الخفية التي على رأسها نهب موارد الدول النامية . ولو كان المقصود تحقيق الأهداف المعلنة ، لما اشترط هذا الربط !
5ـ أن تحرير الأسواق مطلقا ، ليس من مصلحة الدول النامية ؛ لتفاوت أوضاعها واختلافها عن أوضاع الدول المتقدمة ؛ ولأن هذا التحرير يؤدي إلى زيادة العجز الخارجي وليس إلى تخفيضه . فالعدل يقتضي مراعاة أحوال الدول النامية ، وليس فتح الباب على مصراعيه في الدول النامية أمام طوفان السلع والخدمات الغربية المتطورة .
إذن ، سياسات منظمات العولمة الاقتصادية يوحي ظاهرها بأنها متفقة والأهداف المعلنة لها ، أما باطنها فيحقق الأهداف الخفية لتلك العولمة . وذلك أن الذي يملي تلك السياسات في واقع الدول النامية هي منظمات اقتصادية قوية تسيرها الدول الكبرى وفق سياساتها وبما يحقق أهدافها ومصالح شركاتها وبخاصة الشركات متعددة الجنسية.
ثانيا : أدوات العولمة الاقتصادية
يرى بعض المفكرين والاقتصاديين الغربيين مثل : جوزيف ناي ، وجون دوناهيو ، والاقتصاديين العرب مثل : عبد المنعم السيد علي وعمرو محي الدين ، والعلماء المسلمين مثل : وهبة الزحيلي ، وعبد الكريم بكار ، أن من أدوات العولمة الاقتصادية التي تحقق بها أهدافها ما يلي:
1ـ المنظمات الاقتصادية الدولية :
فقد أنشأت الدول الغربية في نهاية الحرب العالمية الثانية مؤسستين مهمتين ، هما : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، وتلا ذلك إنشاء منظمة التجارة العالمية بعد نصف قرن تقريبا ، ليستكمل بها الإطار المؤسسي الدولي على الصعيد الاقتصادي. وهذه المنظمات تسيطر عليها الدول الصناعية وتوجهها لتحقيق مصالحها وعلى رأسها عولمة الاقتصاد الدولي ، وفي الوقت نفسه إضعاف نفوذ الدول النامية في تلك المنظمات؛ لتصبح عاجزة عن تمثيل نفسها تمثيلا جيدا.
2ـ العقوبات الاقتصادية :
تفرض هذه العقوبات من طرف الدول الغربية الكبرى على الدول النامية ؛ لتحقيق أهدافها في عولمة الاقتصاد العالمي ، بحجج كثيرة منها: انتهاك حقوق الإنسان، أو مكافحة الإرهاب ، أو الحيلولة دون انتشار الأسلحة النووية ، أو حقوق العمال ، أو محاربة المخدرات ، أو حماية البيئة ونحو ذلك .
3 ـ الشركات متعددة الجنسية :
عملت الشركات العالمية متعددة الجنسية على عولمة النشاط الإنتاجي، بآليتين مهمتين هما : التجارة الدولية ، والاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أدى دعم سياسات المؤسسات الدولية، مثل : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، التي شجعت على الخصخصة في العالم، واتباع سياسة السوق الحرة ، أدى إلى مشاركة الشركات الأمريكية والأوربية واليابانية، في رأس مال الشركات في الدول الفقيرة ، ونقل المصانع من المراكز الرأسمالية الغربية إلى أسواق العالم النامي ، حيث تكون الأيدي العاملة رخيصة، مما يعود بالنفع على الشركات العالمية على المدى البعيد.
4ـ تداول بعض الأدوات كالأسهم والسندات والعملات وغيرها من أدوات الاستثمار الأجنبي غير المباشر الذي ينساب من وإلى الأسواق المالية في الدول النامية . حيث ينتقل رأس المال من دولة إلى أخرى في العالم ببيع تلك الأدوات أو شرائها ، بقرار من المرابين العالميين ومديري الشركات متعددة الجنسية . وقد تخرج تلك الأموال فجأة لمعاقبة البلد الذي لا يلتزم بما يملى عليه من شروط العولمة الاقتصادية ومتطلباتها ، مما قد يتسبب في أزمات اقتصادية كبيرة ، من أمثلتها ما حدث لدول جنوب شرقي آسيا في عام 1997م ، التي كان من أهم أسبابها التوسع في استعمال تلك الأدوات . فقد ضارب المستثمرون الذين يتمتعون بحرية التعامل في أسواق المال في تلك البلدان على عملاتها مما أدى إلى اضطراب أسعار صرفها وإشاعة الرعب والتوتر وضعف الثقة في أسواقها وأثر ذلك في بقية الاقتصاد وعرقل مسيرة النمو الاقتصادي . وكذلك أدى التعامل بالسندات والاقتراض قصير الأجل من أسواق المال العالمية لتمويل استثمارات محلية طويلة الأجل، أدى إلى نتائج مشابهة.
5ـ الاتحادات الاقتصادية الدولية :
ومن أمثلة ذلك الاتحاد الأوربي واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية التي تشمل : الولايات المتحدة الأمريكية ، وكندا ، والمكسيك . فهذه الاتحادات تفرض على الدول النامية ، سياسات اقتصادية رأسمالية تصب في مصلحة تلك الاتحادات ، وتؤدي إلى عولمة اقتصادات الدول النامية .
6 ـ وسائل الإعلام :
أحدث التقدم التقني في مجال البث الإعلامي ، ثورة كبرى في حياة الناس . فقد أطلق الغرب عددا كبيرا من الأقمار الصناعية، تدور حول الأرض مرسلة إشارات لاسلكية ، تحمل في مضامينها صورا ورموزا ودلالات للحياة العصرية الغربية ، ولما يستجد من حداثة في أصقاع الأرض كافة. وتجاوزت موازنة الإعلان في العالم في السنوات الأخيرة التوقعات . ونتيجة لحملات الإعلان المكثفة، أصبح الناس يستهلكون ما لا يحتاجونه ، ويطلب منهم الزيادة في الاستهلاك ، حتى تظل عجلة الصناعة الغربية في حركة دائبة .
7ـ شبكة المعلومات الدولية " الإنترنت ":
الإنترنت إبداع أمريكي ، يُسَوِّق أفكار الغرب ورموزه وتجارته ، وأكثر المعلومات على هذه الشبكة يكون بلغات غربية للإنجليزية فيها نصيب الأسد، مما ينسجم مع جوهر العولمة وحقيقتها. وقد أتاحت هذه الشبكة عولمة المعلومات والأفهام والأفكار ، إضافة إلى إن التجارة على هذه الشبكة تتصاعد باستمرار ، كما أن تلك الشبكة أصبحت من الوسائل الإعلانية المهمة ، مما يساهم في نشر العولمة الاقتصادية .
هذه هي أهم أدوات العولمة الاقتصادية لتحقيق أهدافها الخفية . والمتأمل فيها يجد أن بعضها ليس مجرد أداة فقط ، بل محرك للعولمة الاقتصادية وموجه لها . فمثلا الشركات متعددة الجنسية ، ليست مجرد أداة من أدوات العولمة الاقتصادية ، بل الواقع يبين أنها المحرك الرئيس لتلك العولمة الاقتصادية والموجه الحقيقي لها . فهي تضغط على دولها لتنفيذ سياسات معينة تحقق مصالحها ، بوساطة المنظمات الاقتصادية الدولية ، وفي الوقت نفسه تعمل بقوة على تنفيذ تلك السياسات بوصفها أداة أيضا . كما أن الانترنت والقنوات الفضائية ليستا أداتين فحسب ، بل لهما تأثير كبير في بروز العولمة ، فهما من الأسباب .
من ناحية أخرى ، فإن كون هذه الأشياء أدوات للعولمة الاقتصادية ، لا يعني أنها شر كلها ، بل فيها خير ، وبيان ذلك كما يلي :
1ـ أن الانضمام إلى منظمات العولمة الاقتصادية والاستفادة من خبراتها، ومن المزايا التي تعطيها لأعضائها ، ومحاولة التأثير في سياساتها لجعلها أكثر فائدة للعالم الإسلامي ، أفضل من عدم الانضمام ، الذي يؤدي إلى عزلة الدول الإسلامية ، وحرمانها من تلك المزايا ، وربما فرض عقوبات عليها .
2ـ أن الشركات متعددة الجنسية ليست شرا محضا ، فقد أسهمت ـ بما تجلبه معها من استثمار مباشر ـ إسهاما جيدا في الاستفادة من الموارد الطبيعية في الدول النامية وجعلها موارد اقتصادية يمكن الاستفادة منها مباشرة ، وخير مثل لذلك استخراج النفط من باطن الأرض في بعض الدول الإسلامية ، ولا تخفى فائدته الكبيرة لتلك الدول .
3ـ أن الاتحادات الاقتصادية الدولية حق مشروع للدول المنضوية فيها ، ويمكن التخفيف من آثارها الضارة بالدول الإسلامية ، بإيجاد اتحادات لهذه الدول ، فهي تعيش في عالم لا يمكن أن تثبت فيه إلا بذلك ، وهو أمل يتطلع إليه كل مسلم ، ولعل في ذلك الخطر حافزا لتحقيق ذلك الأمل.
4ـ أن وسائل الإعلام والاتصال ، فيها خير وفيها شر . والخير يمكن الاستفادة منه بإنشاء قنوات نافعة تستأجر من الأقمار الصناعية التي أرسلها الغرب ، بل ويمكن الاستفادة منها ببث فضائي إسلامي معاكس موجه إلى المجتمعات الغربية ، يبين حقيقة الإسلام ويدعو غير المسلمين إلى الدخول فيه، ويساهم في تحقيق المصالح الدنيوية المشتركة بين الطرفين. وأما الشر فيمكن مواجهته بمحاولة منعه إن أمكن أو التخفيف منه بالتوعية والتثقيف ، وبيان البديل المفيد .
5 ـ أن مشاركة رؤوس الأموال الأجنبية في نشاط أسواق المال في الدول النامية دون ضوابط ، قد يتسبب في وقوع أزمات اقتصادية كبرى، وفي نزوح الثروات منها لمصلحة قلة من المضاربين . ويمكن الحد من ذلك بوضع ضوابط لإجبار أولئك المستثمرين على استثمار قدر معين من أرباحهم في البلدان التي استثمروا فيها وحققوا فيها ذلك الربح ، وكذلك إجبارهم على تحويل استثماراتهم إلى استثمارات متوسطة أو طويلة .
6ـ أن ترجيح الأهداف الخفية للعولمة الاقتصادية التي هي أهداف سيئة وخطرة ، لا يعني أن الأدوات والسياسات كذلك . بل يمكن استعمالهما في الخير والشر كما مر بالنسبة إلى الأدوات ، كما أن السياسات يمكن أن توضع لتحقيق أهداف مفيدة أو أهداف ضارة ، ويمكن أن تنفذ بأداة مفيدة أو بأداة ضارة ، وكل ذلك يعتمد على قوة البلد المعني وقدرته على التفاوض .
منظمات العولمة الاقتصادية :
عملت الدول الرأسمالية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وبالتحديد في أول يوليو سنة 1944م في مؤتمر" بريتون وودز " بولاية "نيوهامبشر" الأمريكية ، على إنشاء ثلاث منظمات اقتصادية : الأولى تهتم بالقضايا النقدية وهي صندوق النقد الدولي ، والثانية تهتم بالقضايا التنموية وهي البنك الدولي للتعمير والتنمية ، والثالثة تهتم بالقضايا التجارية لكنها لم تخرج إلى حيز الوجود إلا بعد زهاء خمسين عاما من ذلك التاريخ بمسمى منظمة التجارة العالمية .
وهذه المنظمات الثلاث اصطلح كثير من الكتاب على تسميتها بمنظمات أو مؤسسات العولمة الاقتصادية ؛ بدعوى أنها تخطط لهذه العولمة وتنفذها في الوقت نفسه بدعم من الدول الصناعية الغربية التي أنشأتها وسيطرت عليها ، تحقيقا لمصالح شركاتها وبخاصة الشركات متعددة الجنسية . فهي سلسلة مترابطة ، فالشركات تضغط على حكوماتها والحكومات تضغط على تلك المنظمات لكي تخطط وتنفذ مشروع العولمة، وتضع السياسات التي تحقق أهداف العولمة الاقتصادية الخفية .
ولا يتسع هذا المقام لذكر تفاصيل تلك المنظمات ، ولكنني سأذكر موازنة " مقارنة " موجزة بين الصندوق والبنك ، ثم موازنة بينهما وبين منظمة التجارة العالمية .
هناك أوجه اتفاق وأوجه افتراق بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتعمير والتنمية . وأهم أوجه الاتفاق هي كما يلي :
1ـ أن الصندوق والبنك يتفقان في أن المشكلة في الدول النامية هي تراكم أخطاء داخلية في تلك الدول ، أدت إلى تفاقم كل من العجز الداخلي والخارجي . ومن ثم فهما يستبعدان العوامل الخارجية تماما.
2ـ يعمل الصندوق مع البنك جنبا إلى جنب لتحقيق أهدافهما، حيث يعقدان اجتماعاتهما بصفة مشتركة في مكان وزمان واحد ، بل وصل التضامن بينهما أن البنك الدولي ، لا يقدم قروضا لدولة نامية ، حتى تحضر له خطابا من صندوق النقد الدولي ، يبين فيه أن تلك الدولة قد خضعت لسياسات الصندوق ، ونفذت كل ما فيها.
3ـ أن معظم الدول المؤسِّسة للصندوق والبنك ، هي الدول الغربية ، وعلى رأسها دول الحلفاء : الولايات المتحدة الأمريكية ، وبريطانيا ، وفرنسا ، التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية ، وقد استحوذت تلك الدول على نصيب الأسد في تمويل المؤسستين ، ومن ثم تمكنت من السيطرة عليهما ، وتوجيههما الوجهة التي توافق مصالحها ومبادئ النظام الرأسمالي الغربي ، الذي يراد له أن ينتشر في العالم ، مما يسهل للدول الغربية ، السيطرة والتحكم وبخاصة فيما يتعلق بالدول النامية .
فإذا نظرنا إلى حصص الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي ، التي عدة مرات كان آخرها التعديل الحادي عشر عام 1998م ، حيث وافق مجلس المحافظين على زيادة حصص الدول الأعضاء في الصندوق ليصل إجمالي الحصص إلى 212 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة ، نجد أن نسبة حصص خمس دول تمثل نحو 38% من مجموع حصص الدول الأعضاء البالغة 182 دولة ! وهذه الدول الخمس حسب تعديل عام 1998م هي كما يلي:
أ ـ الولايات المتحدة الأمريكية وتبلغ حصتها أكثر من سبعة وثلاثين مليار وحدة حقوق سحب خاصة بنسبة 5 ,17% .
ب ـ ألمانيا واليابان وتبلغ حصة كل منهما أكثر من ثلاثة عشر مليار وحدة حقوق سحب خاصة ، بنسبة 6% لكل منهما .
ج ـ المملكة المتحدة وفرنسا وتبلغ حصة كل منهما أكثر من عشرة مليارات وحدة حقوق سحب خاصة ، بنسبة 4 % لكل منهما .
إن هذا التوزيع للحصص ، يفسر سبب هيمنة الدول الصناعية الغربية على سياسات الصندوق ، بل ويفسر التزام الصندوق بالفكر الاقتصادي الرأسمالي ، وحرصه الشديد على تنفيذ ذلك الفكر في الدول النامية ، دون النظر إلى خصوصياتها وأوضاعها الدينية والاجتماعية ، تحقيقا لأهداف العولمة الاقتصادية المتمثلة في جعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الرأسمالي الغربي ويرتبط به ارتباطا عضويا .
4ـ يرتبط نظام التصويت في الصندوق والبنك ارتباطا كبيرا بحصة البلد العضو وهو ما يسمى بنظام التصويت المُرجِح ، بمعنى أن اتخاذ القرار يتناسب مع مقدار الحصة. فقد جاء في اتفاقية الصندوق والبنك أن لكل عضو مئتين وخمسين صوتا يضاف إليها صوت واحد عن كل مئة ألف وحدة حقوق سحب خاصة من حصته. مثلا :
حسب الاتفاقية تتخذ قرارات الصندوق بأكثرية الأصوات المدلى بها. إلا أن نظام التصويت المُرجِح يقلل من إمكانية صدور القرارات بالأغلبية . فالقرارات ذات الأهمية في تحديد سياسات الصندوق حدد لها نسبة عالية هي 85% من مجموع الأصوات . وهذا بطبيعة الحال، جعل باستطاعة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى استعمال حق الاعتراض (الفيتو) على قرارات الصندوق، ولا شك أن هذا ينعكس أثره في نشاط الصندوق ، وتبقى السياسة المالية له محكومة برغبة الدول ذات الأصوات الكثيرة ، حيث تتعطل القرارات باعتراض دولة واحدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، أو بعدد قليل من الدول الكبيرة ، وهكذا تزول مزايا مبدأ الأغلبية، وكأن العمل يتم على أساس مبدأ الإجماع أو قريب منه.
وتوضيح ذلك ، أن الولايات المتحدة الأمريكية لو اعترضت على قرار معين ، فإنها ستقتطع نسبة 17,5 % من إجمالي نسبة التصويت ، فلا يبقى إلا 82,5 % ، مما يعني أن القرار لا يمكن أن يحصل على النسبة المطلوبة وهي 85% حتى ولو وافقت عليه بقية الدول الأعضاء .
أما أوجه الافتراق فيمكن إيجازها فيما يلي :
1ـ يهتم الصندوق بالقضايا النقدية وتوازن موازين المدفوعات ، ومراقبة العناصر الإجمالية أو الكلية في الاقتصاد كالدخل القومي وكمية النقود ونحو ذلك . أما البنك الدولي فمجال نشاطه التطوير الاقتصادي والاجتماعي ، وتنصب اهتماماته على عائد المشروعات الاستثمارية للوحدات الاقتصادية الجزئية كالزراعة ، والطاقة، والصحة ، والنقل .
2ـ أن برامج الصندوق قصيرة الأجل ـ عادة ما بين 3ـ 5 سنوات، أما برامج البنك فهي تكمل مهمة الصندوق ؛ فهي قروض طويلة الأجل تمتد من 5ـ 10 سنوات وبخاصة برامج التكييف الهيكلي ، التي تهدف إلى إعادة صياغة وتشكيل السياسات والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية ، وتكييف هياكلها بما يلائم الاقتصاد الرأسمالي .
3ـ الهدف الرئيس للصندوق هو الإشراف على النظام النقدي الدولي ، ومساعدة الدول الأعضاء في التغلب على مشكلاتها النقدية قصيرة الأجل. أما الهدف الرئيس للبنك فهو تحقيق النمو الاقتصادي طويل الأجل في الدول النامية الأعضاء ، من أجل الارتفاع بالمستوى المعيشي فيها ومكافحة الفقر والبطالة بتنشيط التمويل الموجه إلى التنمية .
4ـ ما يقدمه الصندوق للدول الأعضاء إنما هو تسهيلات ائتمانية إلى الدول التي تفتقر إلى مبالغ كافية من العملات الأجنبية لتغطية التزاماتها المالية قصيرة الأجل ، فهي معاملة صرف أو مبادلة عملة بعملة ، وقد يتوسط في ترتيب حصول الدولة العضو على قروض من جهات رسمية أو تجارية بعد موافقة البلد المعني على برنامج الصندوق الإصلاحي . أما ما يقدمه البنك فهو قروض للدول النامية الأعضاء التي تفتقر إلى الموارد المالية لتمويل المشروعات التنموية فيها ، وقد تكون تلك القروض من موارد البنك ، وبخاصة من حصيلة السندات التي يصدرها ويطرحها للتداول في الأسواق المالية العالمية .
وقد انتقد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعته ـ بما في ذلك الرابطة الدولية للتنمية ـ بأن ما يدفعه من قروض للدول النامية إنما هو لتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية للدول المسيطرة عليها وهي الدول الرأسمالية الغربية. وأما الدوافع الإنسانية أو تحقيق الأهداف المعلنة لتلك المنظمات فهو شيء يسير يستعمل للدعاية فقط . صحيح أن تلك المنظمات قد تحقق مصالح للدول الفقيرة ، لكن عند التعارض بين مصالح تلك الدول ومصالح الدول الكبرى وهو الغالب ، فإن مصالح الدول الكبرى تكون هي الراجحة .
ولا شك أن هذا الانتقاد قوي جدا ، ويوافق ما سبق ترجيحه بشأن سعي منظمات العولمة الاقتصادية لتحقيق أهداف خفية للعولمة تخدم مصالح الدول الغربية الكبرى وشركاتها وبخاصة متعددة الجنسية منها .
وقد جاءت منظمة التجارة العالمية في حال أفضل من الصندوق والبنك وتضمنت اتفاقاتها بعض الميزات للدول النامية التي سبق ذكرها في المقالات الماضية . من ذلك :
1ـ بعض الإعفاءات فيما يخص الدول الأقل نموا ، وبعض الاستثناءات فيما يخص الدول النامية .
2ـ اشتملت على مبدأ التعويض عن الضرر وإمكانية مقاضاة الدولة التي يبدر منها الضرر أمام جهاز فض المنازعات ، وهذا يمكن أن تستفيد منه الدول النامية كثيرا .
3ـ نظام التصويت فيها بتوافق الآراء أو الأغلبية في بعض الحالات ، وهو أكثر عدالة من نظام التصويت المرجح .
وقد أعطيت هذه المنظمة هالة إعلامية ضخمة عند إنشائها ، وفي الوقت نفسه أخذ عليها مآخذ كثيرة ، سواء من بعض الدول النامية، أم من بعض شعوب الدول الصناعية الغربية نفسها. ويذكر الدكتور محمد العصيمي أن مما أخذ عليها ما يلي:
1ـ هناك نظر في الأسس التي بنيت عليها المنظمة والأهداف التي تصبو إلى تحقيقها . فمثلا تدعي المنظمة أن هدفها هو تحرير التجارة العالمية ، ولكن ليس من المتوقع تحرير تجارة الدول الغربية ولا فتح أسواقها ، ولا تمكين العمال من دخولها .
2ـ يقال إنها منظمة تريد منافسة عادلة بين المنتجين وليس بين الحكومات. لكن ليس من العدالة ترك المنافسة بين خصمين متفاوتين تفاوتا كبيرا : خصم قوي جدا وخصم ضعيف جدا .
3ـ يقال إنها تريد ترسيخ مبادئ قانونية وأعراف دولية في المجالات التجارية . والسؤال : من وضع تلك القوانين وأقر تلك الأعراف ؟ إنها الدول الكبرى ، ولا يراد للدول النامية إلا الإذعان لها وفتح أسواقها أمام المنتجات الغربية .
4ـ يقال إنها منتدى للحوار بين الدول . وكيف تحاور دول ضعيفة دولا قوية متمكنة ؟ بل كيف السبيل إلى ذلك بين الشركات دعك من الدول، إذا علمنا أن موازنة بعض الشركات الأمريكية الكبرى يفوق موازنة عدة دول نامية مجتمعة ؟!
5ـ من يضمن حياد المنظمة في التحكيم بين الأطراف المتنازعة ، وفي فهم وتفسير الاتفاقيات الموقعة ، وفي الرقابة الدورية على التجارة المحلية وقوانينها المستجدة ، ومن يضمن حياد الخبراء الذين يؤدون تلك الأعمال وجلهم من الغربيين ؟ وهذا لا يعني عدم حيادية الأسس التي قامت عليها المنظمة ، إنما يعني أن القوي سيستفيد من حياديتها أكثر من الضعيف .
6ـ إلى أي مدى تتحمل الدول النامية التغيرات الكبيرة التي ستنقص من سلطاتها ؟ وإذا كانت زيادة الضرائب المحلية هو بديل تخفيض الرسوم الجمركية ، فكيف تواجه الآثار الاجتماعية الضارة لهذا البديل ؟
7ـ لماذا تواجه الدول التي تريد الانضمام إلى المنظمة بشروط وضغوط قاسية لأجل تحقيق مطالب ليست تجارية كحقوق الإنسان ؟ ما علاقة هذا بهذا ؟
ولا شك أن هذه المآخذ تصب في خانة ترجيح الأهداف الخفية للعولمة الاقتصادية وتشكك في صدق الأهداف المعلنة لها .
وإذا أردنا أن نوازن بين بمنظمتي بريتون وودز هما : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتعمير والتنمية ، نسبة إلى المدينة الأمريكية التي اتفق فيها على إنشاء المنظمتين المذكورتين وبين منظمة التجارة العالمية، فإننا نجد أن هاتين المنظمتين توافقان منظمة التجارة العالمية في أمور منها :
1ـ الأهداف وبخاصة : رفع مستوى الدخل الفردي والوطني ، والعمل على زيادة التجارة العالمية وتحريرها ، وأهمية التشاور في الأمور المشتركة .
2ـ تضع منظمة التجارة العالمية سياسات ومبادئ تطالب الدول الأعضاء بالالتزام بها تتفق في الاتجاه العام والسياسات الاقتصادية التي ينفذها الصندوق والبنك في الدول النامية ، وهو اتجاه الإصلاح وتحرير السياسات، وفقا لضوابط اقتصاد السوق ، وحرية التجارة ، وإعطاء الاهتمام اللازم للتصدير ، وإلغاء الدعم .
ويفترقان عنها في أمور منها ما يلي :
1ـ نظام التصويت المعمول به في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مبني على نظام التصويت المرجح ـ كما تقدم ـ بحيث يكون لبعض البلدان أصوات أكثر من غيرها . أما منظمة التجارة العالمية فتنص اتفاقيتها على أن اتخاذ القرارات في المنظمة يكون بتوافق الآراء ، أو أغلبية الأصوات إذا لزم الأمر ، ويكون لكل بلد صوت واحد . ولا شك أن جعل نظام التصويت في منظمة التجارة العالمية بهذا الشكل في مصلحة البلدان النامية ؛ لأنه أكثر عدالة من نظام التصويت المرجح .
2ـ في حين أن منظمتي بريتون وودز تعامل الدول المتقدمة والدول النامية معاملة واحدة ، فإن اتفاقية منظمة التجارة العالمية قد أعطت الدول النامية الأعضاء فيها ، بعض الاستثناءات التي تخفف من الآثار السيئة لفتح الأسواق وتحرير الاستيراد، تشتمل على بعض المزايا كتصدير منتجاتها إلى الدول الصناعية دون حواجز جمركية أو على الأقل جمارك منخفضة ، كما أنها تمكن الدول الأعضاء من اللجوء إلى جهاز فض المنازعات التجارية، في حالة تضررها من إحدى الدول بما فيها الدول الكبرى ، للحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها ، ويبقى الأمر المهم هو مسألة تنفيذ تلك الاستثناءات .
إلا أن الغالب أن مبادئ منظمة التجارة العالمية بشأن فتح الأسواق ، تصب في مصلحة الدول المتقدمة لا مصلحة الدول النامية ؛ وذلك أن منتجات الدول المتقدمة منتجات متطورة ، وذات مواصفات عالية ، ولديها قدرة تسويقية عالية ، وهو ما لا يتوافر لمنتجات الدول النامية .
3ـ سياسات ومبادئ منظمة التجارة العالمية شاملة لجميع الدول الأعضاء، بخلاف سياسات منظمتي بريتون وودز وبخاصة برامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي ، فإنها لا تطبق إلا على الدول التي تحتاج إلى ذلك كالدول النامية .
سياسات العولمة الاقتصادية :
باستقراء سياسات منظمات العولمة الاقتصادية وتتبعها ، وبالرجوع إلى ما تصدره منظمات العولمة الاقتصادية من تقارير ودراسات ، اتضح أن هذه السياسات تنقسم إلى ثلاثة محاور رئيسة هي:
المحور الأول : سياسات القضاء على العجز في الموازنة العامة للدولة ، وأهمها : سياسة إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه ، وسياسة الخصخصة ، وسياسة الإصلاح الضريبي .
المحور الثاني : سياسات القضاء على الفجوة بين الادخار والاستثمار ، وأهمها : تحرير معدل الفائدة المصرفية ،وإنشاء سوق حرة للأوراق المالية ، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر .
المحور الثالث : سياسات القضاء على العجز في ميزان المدفوعات، وأهمها : تخفيض قيمة العملة المحلية ، وإلغاء الرقابة على سوق الصرف الأجنبي ، وإزالة القيود على الاستيراد وفتح الأسواق.
وفيما يلي بيان موجز لهذه السياسات :
سياسات معالجة العجز في الموازنة العامة :
تهدف سياسات الصندوق والبنك إلى معالجة العجز في الموازنة العامة ، بمجموعة من السياسات بعضها يتعلق بزيادة الموارد وبعضها يتعلق بتقليص النفقات، وهو ما يحقق هدفا آخر هو تخفيض التضخم. وأهم هذه السياسات هو : إزالة دعم الأسعار أو تخفيضه ، والخصخصة ، والإصلاح الضريبي . وفيما يلي الحديث عن كل واحدة منها بإيجاز .
أولا : إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه :
ينقسم الدعم إلى قسمين رئيسين :
1 ـ دعم الأسعار : وهو المال الذي تدفعه الحكومة للبائعين والمنتجين المحليين ؛ لتخفيض أسعار السلع والخدمات التي يعرضونها ، لكي تصبح ملائمة للناس جميعهم ، أو بغرض تشجيع قطاع من القطاعات الإنتاجية، لتمكين المنتجين المحليين من المنافسة في السوق الداخلية والتصدير إلى الأسواق الخارجية .
فالدعم إذن ، أو الإعانة كما يسمى أحيانا ، مساعدة تدفعها الدول النامية إما لأسباب اجتماعية فتخفض أسعار بعض السلع الضرورية اللازمة للمستهلكين ومنها السلع الاستهلاكية الأساسية مثل: الخبز ، والأرز، والسكر، والحليب ، والزيوت النباتية ، وبعض الخدمات كالكهرباء والمياه والوقود ، وإما لأسباب اقتصادية ، فتدفع تلك المعونة لمنتجي سلعة معينة لتمكينهم من منافسة السلع الأجنبية .
ويتخذ دعم الأسعار صورا عدة منها: الإعانات المباشرة للبائعين للبيع بسعر منخفض ، وإعانة الصادرات ، وفرض رسوم على الواردات لحماية الإنتاج المحلي ، وشراء الدولة للسلع من المنتجين بأسعار تشجيعية. وهدف الدول النامية من التدخل في نظام الأسعار ـ ومنه الدعم ـ هو الحد من آثار حرية عوامل العرض والطلب الضارة بمعيشة الفقراء وذوي الدخول المنخفضة، وذلك لأن قانون العرض والطلب لا يمكن الاعتماد عليه اعتمادا كاملا لتحقيق التوزيع الأفضل للموارد ؛ وقد يترتب عليه أحيانا إهمال المصلحة العامة .
2 ـ دعم الدخول وهو الدعم المدفوع للفقراء لزيادة دخولهم وتمكينهم من شراء لوازمهم الضرورية . ويتخذ عدة صور منها: المنح الدراسية ، وإعانات الإغاثة ، والإعانات التي تصرفها الحكومة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية ، والزكاة والصدقات التطوعية .
والدعم الذي تطالب منظمات العولمة الاقتصادية بإزالته أو تخفيضه هو دعم الأسعار فقط دون دعم الدخول . وهي تطالب بتخفيضه لتحقيق هدفين:
الأول : تقليص نفقات الدولة . فإزالة الدعم سيوفر على الدولة الأموال التي كانت تدفعها لدعم تلك السلع والخدمات ، مما يخفض النفقات في الموازنة العامة ، ويمكّن الدولة من توجيه تلك الأموال إلى مجالات أخر. الثاني : توزيع الموارد الاقتصادية توزيعا أفضل . ويزعم خبراء الصندوق وجود درجة كبيرة من الانحرافات في الأسعار النسبية في البلدان النامية ، بسبب تدخل الدولة الكبير في الاقتصاد ، الذي يؤدي إلى ظهور عدم التوازن على الصعيدين الداخلي والخارجي. كما يرى خبراء البنك الدولي أن سياسات الدعم تتطلب أموالا كثيرة، ولا تفيد الفئات الفقيرة غالبا ، بل تفيد الفئات ذات الدخل المرتفع والدخل المتوسط. ولا يمكن أن تكون سياسة دعم المستهلك مفيدة إلا إذا اقتصرت على الفئات ذات الدخل المنخفض ، مع إمكان السيطرة على أعباء ذلك الدعم وتحملها ، دون اللجوء إلى وسائل تضخمية أو معرقلة لنظام الأسعار.
وبناء على ذلك يوصي خبراء الصندوق باتباع إجراءات منها : إزالة الدعم المدفوع لمنتجي المواد الغذائية الأساسية . وإزالة الدعم المدفوع للمنشآت الحكومية . كما طالبت منظمة التجارة العالمية بإلغاء الدعم ووسعت معناه ، ليشمل كل مساهمة مالية تدفعها الحكومة أو أية هيئة عامة، تتحقق منها منفعة لمن يحصل عليها . وقد تكون هذه المساهمة قروضا أو ضمانا لقروض، أو نزولا من الحكومة عن دخل ، كالإعفاءات الضريبية أو الجمركية ، أو تقديم خدمات أو سلع معينة ، أو شراء منتجات معينة.
وقد قسمت المنظمة الدعم إلى ثلاثة أقسام :
1ـ الدعم المحظور الذي يستدعي إجراءات مضادة . ومن أمثلته :
أ ـ دعم تشجيع الصادرات كضمان التصدير ، وفتح اعتمادات للتصدير بفائدة تقل عن فائدة اقتراض الحكومة ، واستعمال مواد مدعومة لإنتاج سلع تصديرية ، والإعفاء من الضرائب . ويستثنى من هذا الدعم المحظور: دعم الصادرات بالنسبة إلى الدول الأعضاء الأقل نموا وكذلك الدول النامية التي يقل متوسط دخل الفرد السنوي فيها عن 1000 دولار أمريكي.
ب ـ الدعم المشروط باستعمال مواد محلية في إنتاج السلع المحلية بدلا من المواد المستوردة.
2ـ الدعم المسموح به الذي قد يستدعي التقاضي ، وهو الدعم الموجه إلى سلعة أو خدمة أو صناعة أو قطاع أو منطقة معينة . ويكون هذا الدعم ضارا بمصالح الدول الأعضاء ويسوغ التقاضي وإقامة الدعوى في الحالات التالية :
أ ـ إذا تعدى هذا الدعم نسبة 5% من قيمة السلعة.
ب ـ إذا خصص هذا الدعم بتغطية خسائر المشروعات .
ج ـ إذا أعفت الحكومة المشروعات العامة من الديون المستحقة عليها.
أما ما تقدمه الدولة من دعم ضمن برامج الخصخصة للمساعدة على تأهيل المشروعات العامة للبيع أو لزيادة جاذبيتها للقطاع الخاص ، فلا يعد من الدعم الذي يسوغ التقاضي .
3ـ الدعم المسموح به الذي لا يستدعي إجراءات مضادة ولا يسوغ التقاضي ، مثل :
أ ـ دعم برامج البحوث والتطوير التي تؤديها الشركات أو تعهد بها إلى مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحوث .
ب ـ دعم المناطق الأقل نموا في الدولة .
ج ـ دعم تكييف مرافق الإنتاج لتتطابق مع المتطلبات الجديدة للبيئة .
وتطالب المنظمة الدول المتقدمة بتخفيض دعمها للإنتاج المحلي الزراعي بنسبة 20% وتخفيض دعمها للصادرات الزراعية بنسبة 36% خلال ست سنوات، وتطالب الدول النامية بتخفيض دعمها المحلي بنسبة 13% وتخفيض دعمها للصادرات بنسبة 24% خلال عشر سنوات، وتعفى الدول الأقل نموا من التخفيض .
ثانيا : الخصخصة :
عرَّفت الخصخصة بأنها " العملية التي يقصد بها التعاقد على إدارة وتشغيل ، أو نقل ملكية، العمليات والمشاريع ، أو المؤسسات الحكومية ، إلى القطاع الخاص " . بل إن الدراسات الحديثة ، قد توسع المعنى ليشمل بناء وتأسيس القطاع الخاص لمشروعات عامة ، لينتفع بها فترة محددة من الزمن ، ثم تؤول ملكيتها إلى الدولة .
والخصخصة تعد من أهم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية المقترحة لمعالجة العجز في الموازنة العامة. حيث تطالب منظمات العولمة الاقتصادية وبخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، البلدان النامية بهذه السياسة . وذلك لتحقيق هدفين : الأول : تخفيض نفقات الدولة ومن ثم تخفيض العجز في الموازنة العامة ، والثاني : زيادة كفاءة المشروعات العامة واستعمال الموارد الاقتصادية استعمالا أفضل . وفي رأي خبراء البنك ، أن الأداء الاقتصادي المنخفض وربما الخاسر، لمؤسسات القطاع العام يعود إلى ما يلي :
1ـ ربط الأهداف الاجتماعية بالأهداف الاقتصادية . فالدول النامية توجه قطاعها العام وشركاتها العامة، لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية مختلفة، مثل : زيادة حجم التوظيف ، ومعالجة التضخم ، وتخفيض أسعار منتجات المشروع لمصلحة الفقراء ومحدودي الدخل .
2ـ خضوع هذه المشروعات والشركات ، لتدخل مركزي صارم من جانب الدولة وبيروقراطية شديدة ، مما يفقدها استقلالها .
3ـ تحديد بيع المنتجات بأسعار لا تتفق وقانون العرض والطلب .
4ـ عدم وجود نظم كافية للحوافز وتنمية المهارات الإدارية .
5ـ عدم محاسبة مديري هذه المشروعات على النتائج الحقيقية لمشروعاتهم .
6ـ عدم وجود المنافسة الخارجية ، حيث تتمتع هذه المشروعات بالحماية الجمركية غالبا.
وعلى هذا ، فإن قروض التكييف الهيكلي التي يقدمها البنك ، تهدف إلى علاج مشكلات القطاع العام بما يلي :
1ـ إبعاد هذه المؤسسات تماما عن الأهداف الاجتماعية والسياسية .
2ـ إدارة هذه المؤسسات على أسس تجارية بحتة ، برفع أسعار منتجاتها لتتوافق والأسعار العالمية ، وإلغاء الدعم المخصص لها .
3ـ عدم احتكارها للسوق المحلي وتعريضها للمنافسة الأجنبية.
4ـ منحها الاستقلال في الإدارة والتسعير والتوظيف .
وإذا لم تكن وصفة الإصلاح هذه قابلة للتنفيذ ، فإن البنك يقدم ثلاث توصيات:
الأولى : إلغاء هذه المشروعات وبخاصة الخاسرة منها .
الثانية : بيع المشروعات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص ، أو إشراك رأس المال الأجنبي في ملكيتها .
الثالثة : انسحاب الدولة من إدارة الخدمات ذات الطابع العام كالكهرباء ، ومياه الشرب ، والصرف الصحي ، والإسكان وغيرها ، تاركة إدارتها للقطاع الخاص ، وذلك لتخفيف العبء المالي على الموازنة العامة .
ثالثا : الإصلاح الضريبي :
الضريبة عند علماء المالية العامة هي : " اقتطاع مالي ، تقوم به الدولة عن طريق الجبر من ثروة الأشخاص الآخرين ، ودون مقابل خاص بدافعها ، وذلك بغرض تحقيق نفع عام ".
وتنقسم الضرائب إلى قسمين رئيسين:
1ـ ضرائب مباشرة وهي التي تفرض على المال عند اكتسابه . ومن أهم أنواعها ما يلي:
أـ الضريبة على الدخول مثل : دخول الأشخاص كالرواتب والأجور ، ودخول المهن الحرة، وعائد رأس المال ، وريع العقارات ، وأرباح الشركات .
ب ـ الضريبة على الثروات والتركات . سواء كانت للأفراد الطبيعيين أم للشركات. وسواء كانت أصولا ثابتة مثل: الأموال العقارية ، أو أصولا منقولة مثل : الودائع البنكية ، والأوراق المالية كالأسهم والسندات.
2ـ ضرائب غير مباشرة وهي التي تفرض على المال عند إنفاقه . ومن أهم أنواعها ما يلي:
أ ـ الضريبة على القيمة المضافة : وتفرض على الزيادات التي تتحقق في قيمة الإنتاج في كل مرحلة من مراحل الإنتاج .
ب ـ الضريبة على الإنتاج: وتفرض بنسبة معينة من قيمة الإنتاج على أنواع معينة من السلع المنتجة محليا ، إلا أنها لا تشمل السلع جميعها وإنما بعض السلع التي تختارها الحكومة ، لذا تسمى أحيانا الضرائب الانتقائية.
ج ـ الضريبة العامة على المبيعات : وتفرض على القيمة النهائية للسلع والخدمات عند بيعها. وعادة تفرض بمعدلات موحدة على السلع الاستهلاكية جميعها. كما أنها تفرض مرة واحدة في إحدى مراحل توزيع السلع ، إما على مبيعات الجملة ، أو على مبيعات التجزئة ، أو على المبيعات إلى المستهلك النهائي.
د ـ الضرائب على الصادرات والواردات وهي المسماة بالرسوم الجمركية .
ويرى البنك الدولي أن الهياكل الضريبية في معظم الدول النامية غير ملائمة لما يلي:
أـ أنها معقدة وتصعب إدارتها والامتثال لأحكامها .
ب ـ أنها غير مرنة فلا تستجيب لمتطلبات النمو وتغير هيكل النشاط الاقتصادي.
ج ـ أنها غير منصفة ، حيث تعامل الأفراد ودوائر الأعمال التي تتشابه أوضاعها تعاملا متفاوتا . كما تتم إجراءاتها بشكل انتقائي ، فتحابي ذوي القدرة وتساعدهم على عدم الخضوع للنظام .
د ـ أنها غير فعالة ، حيث تؤدي إلى آثار اقتصادية خطرة وتسفر عن حصيلة ضئيلة نسبيا في الغالب .
ولتحقيق الإصلاح الضريبي عند خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، ينبغي تحسين عائد الضرائب الموجودة ، وزيادة مرونة النظام الضريبي ، وإدخال إصلاحات على إدارة الضرائب ، وعلى طريقة تحصيل الموارد ، وربما إضافة ضرائب جديدة.
ومن الإجراءات المقترحة من صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص ما يلي:
1ـ تخفيض الضرائب على الدخول وعوائد رؤوس الأموال المستثمرة في القطاع الخاص .
2ـ إعفاء أرباح ودخول الاستثمارات الجديدة من الضرائب ، من أجل حفز المستثمرين على زيادة معدلات استثماراتهم في المجالات ذات الأهمية وبصفة خاصة قطاع الصادرات .
3ـ تقديم تسهيلات جمركية على الواردات الاستثمارية والوسيطة للمشروعات الجديدة ؛ لتخفيض قيمة الإنتاج وزيادة معدلات العائد على الاستثمار فيها .
4ـ زيادة معدلات الضرائب غير المباشرة كضريبة المبيعات ، وبخاصة على السلع الكمالية ومنتجات الصناعات التحويلية والخدمات المحلية .
ويتلخص الإصلاح الضريبي في نظر خبراء البنك الدولي فيما يلي:
1ـ توسيع نطاق الوعاء الضريبي ، وتخفيض نسب الضرائب الموجودة، والحد من المبالغة في درجات التصاعد الضريبي.
2ـ فرض الضرائب على الأنشطة التي لم يفرض عليها ضرائب ، مثل الأنشطة الزراعية والعقارية .
3ـ التنسيق بين فرض الرسوم الجمركية وفرض الضرائب على المبيعات.
4ـ مساواة معدلات الضرائب على أرباح الشركات بمعدلات الضرائب على أرباح رأس المال في الخارج .
5ـ جعل الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات ذات وزن نسبي كبير بين مكونات الهيكل الضريبي المنشود . ويؤكد خبراء البنك الدولي أن فرض ضريبة المبيعات العامة ذات الوعاء المتسع ، وضريبة القيمة المضافة ، يجب أن يكون عنصرا مهما في برامج الإصلاح الضريبي في الدول النامية . حيث إن فرض مثل هذه الضريبة سوف يترتب عليه تحصيل موارد كثيرة ، وحفز الأفراد على زيادة الادخار والاستثمار .
6ـ يجب أن يتسم الإصلاح الضريبي باستقرار السياسة الضريبية ، والتشاور المسبق بشأنها، وإتاحة الفرصة للتصحيح قبل التنفيذ ؛ مما يرسخ ثقة قطاع الأعمال في الإصلاح الضريبي.
سياسات منظمات العولمة الاقتصادية لمعالجة الفجوة بين الادخار والاستثمار
تعاني البلدان النامية نقصا شديدا في الادخار وفي الوقت نفسه تحتاج إلى استثمارات كبيرة، وينتج عن ذلك وجود فجوة كبيرة بين الادخار والاستثمار ، مما يعيق تحقيق تنمية حقيقية في هذه الدول . وهذه الفجوة تعد خللا من وجهة نظر صندوق النقد الدولي ، يتطلب معالجته بعدة سياسات أهمها : تحرير معدل الفائدة المصرفية ، وتطوير سوق الأوراق المالية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. وفيما يلي الحديث بإيجاز عن تلك السياسات .
أولا : تحرير معدل الفائدة المصرفية :
يقصد بالتحرير هنا إلغاء القيود المفروضة على معدلات الفائدة وتركها لقانون العرض والطلب ؛ لأن السلطات النقدية في كثير من البلدان النامية تفرض حدودا قصوى لمعدلات الفائدة الاسمية مما يجعل معدلات الفائدة الحقيقية سالبة في الدول التي تزداد فيها معدلات التضخم عن معدلات الفائدة الاسمية. كما أنها تؤدي إلى وجود معدلات متعددة للفائدة حسب أولوية القطاعات الاقتصادية . وقد تلجأ تلك السلطات إلى مثل هذه السياسة، لتشجيع الاستثمار في بعض القطاعات أو للمساهمة في تمويل عجز الموازنة العامة، بإقراض بعض المشروعات المملوكة للدولة بمعدلات فائدة منخفضة ، أو اشتراط الحكومة على المصارف التجارية أن تشتري سندات حكومية بفوائد منخفضة.
وهذا الإجراء لا يشجع المدخرين على إيداع أموالهم ؛ بسبب انخفاض معدل الفائدة ، فيبقى الادخار في المصارف منخفضا ، وتبقى مشكلة فجوة الموارد المحلية . ومنذ بداية الثمانينيات الميلادية أخذ الصندوق يوجه النظر إلى الانحراف الكبير الذي يؤثر في تشكيل معدلات الفائدة في البلدان النامية . ودعا إلى إعادة نظر شاملة للفكر الذي تطرحه النظرية الكينزية لتنظيم القطاع المالي ، الذي يجعل الادخار مرتبطا بالدخل وغير مرن بالنسبة إلى معدل الفائدة ، وأنه يجب المحافظة على معدل الفائدة عند مستوى منخفض. وفي نظر خبراء الصندوق تنتج هذه السياسة المشوهة لمعدل الفائدة ، أوضاعا متعددة من الخلل المالي كما يلي:
1ـ إضعاف حافز الادخار المحلي ، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج .
2ـ توجه الاستثمارات إلى مجالات غير منتجة .
3ـ توجيه التسليف المصرفي إلى القطاعات ذات الأولوية مثل القطاع الزراعي ، وترك القطاعات التي لا تتمتع بالأولوية كقطاع التجارة .
4 ـ تحديد مستويات منخفضة لمعدلات الفائدة الاسمية ، مما يجعل معدلات الفائدة الحقيقية سالبة بسبب التضخم .
لذلك ، يطالب الصندوق بتحرير معدل الفائدة وتركها لعوامل العرض والطلب، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاعها بمعدلات أعلى من معدل التضخم مما يشجع أصحاب الأموال على إيداع أموالهم في البنوك ، وزيادة المدخرات المحلية ومن ثم توجيهها نحو الاستثمار. فهدف هذه السياسة هو جذب رأس المال المحلي والأجنبي بالإضافة إلى إيقاف الانخفاض في أسعار صرف العملات المحلية.
ويرى خبراء الصندوق أن تحقيق معدلات فائدة عالية يكون بما يلي:
1ـ تحرير معدل الفائدة مما سيؤدي إلى ارتفاعها مما يشجع الادخار ، ويمنع هروب رؤوس الأموال . وهذا يشمل معدلات الفوائد التي يحددها المصرف المركزي .
2ـ أن يكون استعمال معدلات الفائدة لتوجيه التسليف أو الائتمان نحو قطاعات معينة ، في أقل الحدود ، ليقل عدد المعدلات المحددة إداريا.
3ـ إقامة نظام لتحديد معدلات الفوائد على مراحل متعاقبة ، باتجاه تحريرها وإخضاعها لعوامل السوق ، حيث لا تتدخل الدولة ولا مصرفها المركزي إلا بالتوجيه بإصدار سندات على الخزانة وطرحها للتداول في السوق .
ثانيا : تطوير سوق الأوراق المالية :
عُرّفت السوق المالية بأنها " السوق التي يتم فيها التعامل بالأوراق المالية بيعا وشراء ، بحيث تشكل القنوات الرئيسية التي ينساب فيها المال من الأفراد والمؤسسات والقطاعات المتنوعة ، بما يساعد على تنمية الادخار وتشجيع الاستثمار من أجل مصلحة الاقتصاد ". وتتسم الأسواق المالية في الدول النامية ـ في نظر خبراء الصندوق والبنك ـ بضيق نطاقها وعدم تنوع هياكل أصولها المالية ، نتيجة للعوامل التالية:
1ـ عدم وجود الإطار القانوني والتنظيمي والضريبي الملائم .
2ـ اقتصار السوق على مجموعة من البنوك التجارية التي ينصرف نشاطها إلى تمويل التجارة الخارجية .
3ـ استئثار البنك المركزي وشركات التأمين الكبرى بنسبة كبيرة من السندات في ذلك السوق .
4ـ إخفاق أسواق السندات في جذب المدخرات المحلية ؛ بسبب ضيق نطاقها من ناحية ، ودعم أسعار السندات الحكومية من البنك المركزي من ناحية أخرى.
5ـ انخفاض الوعي المصرفي وعدم تطور المؤسسات المصرفية .
6ـ قلة حجم الأوراق المالية التي تصدرها الحكومة .
7ـ تحديد معدلات الفائدة إداريا ، مما يؤدي إلى ضعف كفاءة الجهاز المصرفي في جذب المدخرات المحلية وتوجيهها إلى المجالات الاستثمارية الأكثر إنتاجية .
8ـ قلة تنوع الأصول المالية ومن ثم انخفاض درجة الإحلال بين النقود والأصول .
9ـ انتشار ظاهرة الازدواجية المالية ، بمعنى وجود قطاعين ماليين أحدهما : حديث منظم تحدد فيه معدلات الفائدة بطريقة إدارية أو مركزية، وتتغير لمدة طويلة ، وتتنوع معدلاتها وفقا لنوعية القطاعات . والقطاع الآخر قطاع غير منظم، تحدد فيه معدلات الفائدة وفقا لمتغيرات اقتصادية ومؤسسية مثل : علاوة المخاطرة ، والنفقات الإدارية ، ونفقة الفرصة البديلة ، ودرجة القوى الاحتكارية للمقترضين .
وفي ضوء اختلاف طبيعة وأسس تحديد معدلات الفائدة في القطاعين السابقين، تظهر أنواع غير متجانسة لتلك المعدلات ، على نحو يصعب معه وجود تأثير واضح للسياسة النقدية في معدلات الفائدة ، ومن ثم في الاستثمار .
ويرى البنك الدولي أن إصلاح هذا الوضع ، ينبغي أن يتضمن إيجاد نظام مالي ذي قاعدة واسعة ، بحيث يشمل سوقا للنقود وسوقا لرؤوس الأموال وأجهزة للوساطة المالية غير البنوك، مما يجعل الاقتصاد قادرا على المنافسة ومتحملا الهزات الداخلية والخارجية ، كما يؤدي إلى زيادة عرض رؤوس الأموال بأدوات منها : الأسهم والائتمان طويل الأجل، وهما أمران أساسيان للاستثمار في الصناعة.
ثالثا : تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر :
عرف اتحاد القانون الدولي الاستثمار الأجنبي بأنه " تحركات رؤوس الأموال من البلد المستثمر ، نحو البلد المستفيد ، بقصد إنشاء أو تنمية مشروع لإنتاج السلع والخدمات ".
وينقسم الاستثمار الأجنبي إلى قسمين رئيسين :
1 ـ استثمار أجنبي مباشر : وهو " إقامة شركة ، أو إعادة شراء كلي أو جزئي ، لشركة قائمة في دولة أجنبية ، سواء أكانت الشركة تمثل فروعا للإنتاج ، أم للتسويق ، أم للبيع ، أم لأي نوع من النشاط الإنتاجي أو الخدمي ، موزعة أنشطتها على عدد من الدول الأجنبية ".
2 ـ الاستثمار الأجنبي غير المباشر : وقد عرفه البنك الدولي بأنه "استثمار الأجانب في أسواق رأس المال المحلية ، دون قيام المستثمرين بتوفير التقنية والخدمات كما يحدث في الاستثمار الأجنبي المباشر" . وبمعنى آخر هو تملك أشخاص غير مقيمين لأسهم وسندات منشأة وطنية، حكومية كانت أم خاصة ، دون أن يكون للمستثمرين حق الرقابة على هذه المنشآت الوطنية .
وبناء على ما تقدم ، يمكن التفريق بين النوعين كما يلي:
1ـ أكثر من يمارس الاستثمار الأجنبي المباشر ، هي الشركات وبخاصة متعددة الجنسية منها، أما الاستثمار الأجنبي غير المباشر ، فيمارسه أفراد وهيئات مختلفة كالبنوك ومؤسسات الاستثمار .
2ـ الاستثمار الأجنبي المباشر يجعل للمستثمر الأجنبي صوتا مؤثرا في الإدارة زيادة على حق الملكية ، أما الاستثمار الأجنبي غير المباشر ، فلا يعطي المستثمر حق الإشراف أو التحكم في المنشأة التي يملك بعض أصولها .
3ـ بينما يقدم الاستثمار المباشر للبلد المضيف مزيجا من التمويل وفنون الإنتاج والإدارة ، يقدم الاستثمار غير المباشر التمويل فقط للحصول على عائد .
4ـ الاستثمار غير المباشر في محفظة الأوراق المالية يعد أداة غير مستقرة لتمويل التنمية في الدول النامية ؛ وذلك لأن هذه الأداة ذات طبيعة قصيرة الأجل ، وتتأثر بعوامل دورية قصيرة الأجل ، كالتوقعات المتفائلة أو المتشائمة بشأن الاستثمار الدولي ، والمفاضلة بين معدلات الفائدة وعوائد الاستثمار الأخر ، ومن ثم ، فهذا النوع من الاستثمار ، أكثر تعرضا لعوامل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي . في حين أن الاستثمار الأجنبي المباشر يتأثر تأثرا كبيرا بالاستراتيجية الدولية للشركات متعددة الجنسية ، وبنشاط التجارة الدولية ، والأوضاع الاقتصادية في الدول المضيفة.
وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي منه والأجنبي ، من السياسات التي يتبناها البنك الدولي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي . ويحرص البنك على زيادة عمل القطاع الخاص : المحلي والأجنبي ، في الاضطلاع بعمل رئيس في التنمية ، بتمكينه من الاستفادة من مدخرات المجتمع في البنوك وغيرها من مؤسسات الإقراض المحلية ، إضافة إلى تسهيل حصوله على القروض الخارجية سواء من مؤسسات خاصة أم رسمية ، وكذلك بتشجيع انسياب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة للاستثمار داخل البلاد ، مع إعطائها قدرا أكبر من الحوافز والمزايا والضمانات . ومن أهم السياسات التي يطالب بها كل من البنك والصندوق في هذا الخصوص ما يلي:
1ـ إعطاء مزايا وحوافز لنشاط رأس المال الخاص الأجنبي ، مثل : الإعفاء من الرسوم الجمركية وحصص الاستيراد .
2ـ ضمان عدم تأميم أو مصادرة أو فرض الحراسة على المشروعات الخاصة .
3ـ ضمان حرية تحويل أرباح ودخول المشروعات الأجنبية إلى الخارج.
4ـ تحرير الأسعار من التدخل الحكومي وتركها لعوامل العرض والطلب، وبخاصة أسعار الصرف ومعدلات الفائدة .
5ـ تقليص نمو القطاع العام ، وقصر نشاطه على مشروعات البنية الأساسية ، وبيع مشروعاته الناجحة إلى القطاع الخاص .
أما منظمة التجارة العالمية فقد طالبت بإلغاء الشروط التي تشترطها السلطات المحلية على الاستثمارات الأجنبية ؛ بدعوى أن تلك الشروط تقيد التجارة العالمية وتعرقلها ، وتناقض مبادئ المنظمة ، وتحد من نمو التجارة الدولية ، وتضع العراقيل أمام حركة الاستثمارات عبر الحدود الدولية .
ووضعت المنظمة في اتفاقياتها ضوابط لحظر تلك الإجراءات الاستثمارية ، وطالبت الدول الموقعة عليها بإلغاء هذه الإجراءات خلال سنتين بالنسبة إلى الدول المتقدمة ، وخمس سنوات بالنسبة إلى الدول النامية ، وسبع سنوات بالنسبة إلى الدول الأقل نموا .
ومن تلك الإجراءات التي تطالب المنظمة بإلغائها ما يلي:
1ـ اشتراط أن يشتري المشروع الأجنبي منتجات محلية بمقادير أو نسب معينة ؛ لأنه شرط مخل بمبدأ المعاملة الوطنية .
2 ـ اشتراط أن تكون واردات المشروع مقصورة على كمية أو قيمة معينة مرتبطة بكمية أو قيمة صادرات المشروع ؛ مما يعارض مبدأ عدم اللجوء إلى القيود الكمية عند الاستيراد .
3ـ شرط الربط بين النقد الأجنبي الذي يتاح للاستيراد والنقد الأجنبي العائد من التصدير.
4ـ شرط بيع نسبة معينة من إنتاج المشروع الأجنبي في السوق المحلي.
سياسات منظمات العولمة الاقتصادية لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات
ميزان المدفوعات هو بيان إحصائي تسجل فيه معاملات الدولة المالية بين المقيمين فيها والمقيمين في غيرها من دول العالم لفترة زمنية معينة تقدر عادة بسنة .
وينقسم ميزان المدفوعات إلى قسمين رئيسين :
1ـ الحساب الجاري : ويبين صادرات الدولة ووارداتها من السلع والخدمات ويشمل ما يلي :
أ ـ الميزان التجاري : ويبين الصادرات والواردات السلعية. ويسمى حساب التجارة المنظورة.
ب ـ حساب الخدمات : ويبين الخدمات المختلفة من وإلى البلد كالشحن والسياحة والخدمات المصرفية ، ويسمى حساب التجارة غير المنظورة .
ج ـ حساب التحويلات : ويبين تحويلات العاملين ، وعوائد الاستثمار ، من وإلى البلد .
2ـ حساب رأس المال : ويبين تحركات رؤوس الأموال من الدولة وإليها. ويشمل ما يلي :
أ ـ الاستثمارات والقروض من وإلى البلد .
ب ـ احتياطات الدولة من وسائل الدفع التي تسوى بها التزامات الدولة مع الدول الأخر مثل: الذهب ، والعملات الصعبة، وحقوق السحب الخاصة ، من وإلى البلد أيضا .
وأهم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية المقترحة لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات هي : تخفيض قيمة العملة الوطنية ، وتحرير الاستيراد من القيود وفتح الأسواق ، وإلغاء الرقابة على سوق الصرف الأجنبي . وفيما يلي عرض لها بإيجاز.
أولا : تخفيض قيمة العملة المحلية .
يمكن تعريف قيمة العملة بأنها " مقدار الأشياء عامة التي يمكن مبادلتها بوحدة النقود ".
ويطالب خبراء الصندوق بتخفيض قيمة العملة الوطنية ، بدعوى أن الدول النامية تضع لعملاتها أسعارا مبالغا فيها ، حيث يكون السعر الرسمي للعملة أكبر بكثير من السعر الحقيقي الذي يتحدد بالعلاقة بين متوسط الأسعار الداخلية ومتوسط الأسعار الخارجية لو ترك تحديد السعر للعرض والطلب .
وحجة خبراء الصندوق أن تخفيض قيمة العملة المحلية سيجعل قيمة الوحدة النقدية من العملة المحلية مساوية لعدد أقل من وحدات النقد الأجنبي، فتصبح أسعار صادرات البلد بالنقد الأجنبي رخيصة ، مما يزيد من الطلب الخارجي عليها، كما يؤدي إلى زيادة دخول منتجي السلع المصدرة بالنقد المحلي مما يشجعهم على زيادة إنتاجهم ، فتزيد بذلك صادرات البلد من ناحية الكمية والقيمة، مما يحسن وضع السيولة النقدية من النقد الأجنبي ويمكن البلد من الوفاء بالتزاماته الخارجية . ومن ناحية أخرى فإن تخفيض قيمة العملة المحلية ، يعني أن ثمن العملات الأجنبية مقومة بالنقد المحلي يصبح مرتفعا ، مما يجعل أسعار الواردات من السلع الأجنبية مرتفعة مقومة بالأسعار المحلية ، وهذا يقلل من الطلب المحلي عليها . فتكون النتيجة النهائية لقرار تخفيض العملة المحلية هي زيادة الصادرات وانخفاض الواردات ، مما يعني تضييق الفجوة أو العجز في الميزان التجاري ، ومن ثم الحساب الجاري ، فيتحسن وضع ميزان المدفوعات .
وهذه النقطة ـ أعني تخفيض سعر العملة ـ غالبا ما تكون حجر عثرة ـ في وجه المناقشات والمفاوضات بين بعثة الصندوق وحكومة البلد المعني ؛ لما لها من خطر كبير على الاقتصاد .
ثانيا : إلغاء الرقابة على سوق الصرف الأجنبي :
سوق الصرف الأجنبي أو سوق النقود كما عرفها البنك الدولي هي سوق تتداول فيها أوراق مالية قصيرة الأجل مثل : أذونات الخزانة وهي أدوات الدين قصيرة الأجل التي تصدرها الحكومة من أجل سد العجز في موازنتها. كما تشمل العملات العالمية كالدولار والجنيه الإسترليني . وتفرض الدول النامية رقابة على الصرف الأجنبي لما يلي:
1ـ للاستفادة من العملات الصعبة في دفع فاتورة الاستيراد ، وقضاء الديون الخارجية .
2ـ تحسين وضع ميزان المدفوعات بالحد من الواردات وبخاصة الواردات الاستهلاكية الكمالية .
3ـ حماية الصناعة المحلية وبرامج التنمية المحلية .
4ـ المحافظة على استقرار أسعار الصرف ، ومنع المضاربة على العملة.
وقد فرضت الدول النامية نظاما رقابيا على سوق الصرف واشترطت موافقة سلطات الرقابة في الدولة على المعاملات الاقتصادية والمالية مع الدول الأخر ، متبعة الوسائل التالية:
1ـ بيع العملات الأجنبية جميعها لسلطات الرقابة ، كما يشترى منها المتطلبات من الصرف الأجنبي. ويسمح أحيانا لبعض المعاملات أن تجرى في السوق الحرة، لكنها معاملات قليلة .
2ـ جعل سعر صرف العملة المحلية الرسمي مثبتا ، إلا في حالات المعاملات التي تجرى في قطاع السوق الحرة إن وجدت . ويكون السعر الرسمي للعملة المحلية عادة أعلى من سعر السوق .
3ـ إلزام المصدرين ومن يحصلون على عملات أجنبية أو سندات أو أسهم مقومة بعملات أجنبية عند بيعها على البنك المركزي بالسعر الرسمي للعملة المحلية .
4ـ لا تحول رؤوس الأموال المودعة بالمصارف إلا بعد استئذان الجهات المختصة . وتضع الدولة حدودا للأموال التي يسمح للأفراد حملها معهم عند خروجهم من الدولة ، كما تحدد الأموال التي يسمح للأفراد إدخالها معهم .
5ـ تدفع الدولة مالا للمصدر للمحافظة على سعر الصرف الرسمي دون تغيير ، وأما المستورد فيدفع رسما إلى الدولة للحصول على العملات الأجنبية بالأسعار الرسمية.
6ـ الأخذ بسعر الصرف المتعدد ، ويقصد به تحديد مستويين أو أكثر لأسعار الصرف ، يتلاءم كل منهما مع طبيعة النشاط الذي يستعمل فيه. ويهدف هذا النظام إلى تشجيع بعض الأنشطة الاقتصادية والحد من أنشطة أخر . فمثلا بينما يُفرض سعر صرف مرتفع للعملة لتقليل استيراد الكماليات ، يفرض سعر صرف منخفض لتشجيع استيراد المواد الخام والسلع الرأسمالية والغذائية.
ويوصي خبراء الصندوق والبنك بإلغاء الرقابة على الصرف الأجنبي أو تقليصها إلى أدنى الحدود ، بحيث يكون تحويل الأموال من وإلى البلد دون قيود ؛ مع إيجاد سوق حرة للنقد الأجنبي ؛ مما يحقق المزايا التالية:
1ـ تمويل عجز الموازنة العامة للحكومة بأدوات السوق المفتوحة ، دون اللجوء إلى زيادة العرض النقدي الذي يؤدي إلى التضخم .
2ـ ممارسة السياسة النقدية من خلال السوق المفتوحة .
3ـ تهيئة مرجعية لمعدلات الفائدة .
4ـ تهيئة مصادر أموال بالنسبة إلى الشركات والبنوك ، وإمكانية إصدار أوراق تجارية قصيرة الأجل .
ثالثا: تحرير الاستيراد من القيود وفتح الأسواق :
تطالب منظمات العولمة الاقتصادية بتحرير الاستيراد من القيود وخصوصا بالنسبة إلى القطاع الخاص ؛ لأن تلك القيود تعرقل التجارة وتعيق انسيابها على حد زعم خبراء تلك المنظمات . وأهم ما تطالب به هذه المنظمات بالنسبة إلى تلك القيود هو إلغاء القيود الكمية ، وتخفيض الرسوم الجمركية ، وفتح الأسواق. وفيما يلي استعراض لها بإيجاز.
1ـ إلغاء قيود الاستيراد الكمية :
تفرض الدول النامية قيودا كمية على الواردات من أجل حماية الصناعة المحلية وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات . ومن هذه القيود الكمية ما يلي :
أ ـ الطلب من المستوردين الحصول على تراخيص لاستيراد السلع .
ب ـ تقييد الاستيراد بكمية معينة وهو ما يسمى بنظام الحصص .
ج ـ منع استيراد بعض السلع منعا باتا .
د ـ منع استيراد بعض السلع من مناطق معينة.
وتطالب منظمات العولمة الاقتصادية بإلغاء هذه القيود ، وغيرها من القيود المعرقلة للتجارة الدولية .
2ـ تخفيض الرسوم الجمركية:
الرسوم الجمركية هي الأموال التي تفرض على السلع المستوردة وتُحصَّل عند دخول تلك السلع إلى موانئ الدولة المستورِدة . فهي رسوم منتقاة تفرض على المبيعات من السلع الأجنبية ، وتشبه إلى حد ما ضرائب الإنتاج التي تقدم الحديث عليها . وقد تفرض هذه الرسوم على بعض السلع الصادرة للاحتفاظ بها داخل البلد لحاجة الناس إليها .
ويهدف فرض الرسوم الجمركية إلى تحقيق ما يلي :
أـ حماية الصناعات المحلية وبخاصة حديثة النشأة من المنافسة الخارجية في السوق الداخلي، حيث إن رسوم الواردات تصبح عنصرا من عناصر قيمة السلعة المستوردة فتصبح قيمتها مرتفعة ، مما يجعل المستهلك يتحول إلى السلع المحلية مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج المحلي .
ب ـ الحد من الاستهلاك وبخاصة استهلاك السلع الكمالية والترفية التي يكون معظمها مستوردا ، مما يوفر العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الضرورية الاستهلاكية منها والرأسمالية .
ج ـ تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات . فإن فرض الرسوم الجمركية على الواردات يكون أداة مهمة في تقييد حجم الواردات ؛ مما يخفف من العجز في ميزان المدفوعات ومن ثم يخفف من استنزاف الموارد الاقتصادية .
د ـ تحقيق موارد للدولة ربما تصل في بعض الدول النامية إلى ثلث موارد الموازنة العامة .
ووجهة نظر خبراء الصندوق بشأن قيود الاستيراد ، أن البلدان النامية في محافظتها على نسب جمركية مرتفعة ، واتباعها لنظام الحصص ، بهدف حماية بعض المنتجات في السوق الداخلية من المنافسة الخارجية ، تكون قد شجعت الإنتاج في القطاعات غير المربحة التي لا يتوافر للبلد فيها مزايا نسبية . فهذه القطاعات المحمية تحصل على موارد كان يمكن أن تكون ذات فائدة أكبر لو وجهت إلى قطاعات التصدير . إضافة إلى ذلك ، فإن القطاعات المشار إليها ، تنتج منتجات للسوق الداخلية بأسعار أعلى ، يمكن الحصول عليها بأسعار أقل بالاستيراد .
ويتطلب تحرير الاستيراد من القيود ـ في نظر خبراء الصندوق ـ الأخذ بالإجراءات التالية :
أـ توحيد هيكل الرسوم الجمركية وتسهيله ، وترشيد منح الإعفاءات الضريبية ، وجعل الرسوم على عدد محدد من السلع .
ب ـ فرض حد أدنى من الرسوم الجمركية على الواردات اللازمة لتنشيط إنتاجية قطاع التصدير ، إضافة إلى التخلي عن نظام حصص الاستيراد، والتحول التدريجي إلى نظام التراخيص الحر ، لتخفيف قيود الاستيراد .
ج ـ عدم المبالغة في الرسوم الجمركية على المحاصيل والمنتجات الزراعية الأجنبية .
د ـ عدم المبالغة في سعر الصرف .
3ـ فتح الأسواق :
هذا المبدأ هدفت إلى تحقيقه سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، وشجعت الدول على الاتجاه نحوه. وعندما أنشئت منظمة التجارة العالمية اهتمت بهذا المبدأ أو الهدف اهتماما كبيرا ، وجعلته محور مبادئها التجارية ، على نحو يتكامل وسياسات المنظمتين السابقتين ولا يعارضهما. ويمكن إجمال أهم مبادئ المنظمة وقواعدها في هذا المجال على النحو التالي:
أـ مبدأ الشفافية :
ويقصد به نشر المعلومات المتعلقة بالاتفاقيات ، والقوانين ، واللوائح الوطنية ، والممارسات الشائعة التي قد تضر بالتجارة الدولية . كما تعني الشفافية أيضا الالتزام بكون الرسوم الجمركية هي الوسيلة الوحيدة للحماية وتقييد الواردات من الدول الأخر ، دون اللجوء إلى نظام الحصص الكمية .
فهذا المبدأ يطالب بأهمية اتباع البلدان الأعضاء سياسات تجارية تحررية مفتوحة ، ولكنه يتيح لها حماية إنتاجها الوطني من المنافسة الأجنبية ، بفرض الرسوم الجمركية لكن بمعدلات منخفضة . غير أن هذا المبدأ يخضع لاستثناءات محددة، منها : استثناء البلدان التي تعاني مصاعب في ميزان مدفوعاتها ، بالحد من الواردات بغية حماية مركزها المالي الخارجي ، باستعمال القيود الكمية على الواردات، إذا كانت هذه القيود ضرورية لتفادي الهبوط الحاد في احتياطاتها النقدية، أو تواجه تدفقا مفاجئا أو ضخما من سلع مستوردة معينة ، على نحو يلحق ضررا بالغا بالمنتجين المحليين لهذه السلع أو يهدد بوقوع مثل هذا الضرر . ويشترط أن يتبع هذا الإجراء الوقائي ، لحماية الصناعة المحلية التي لا تقدر على المنافسة، لاكتساب هذه القدرة ، وإعطائها فرصة لترتيب أوضاعها ، دون تمييز بين الدول المتعاقدة ، على أن تتعهد الدولة العضو بتخفيف هذه القيود تدريجيا حتى تنتهي تماما ، عندما تزول الأوضاع التي استدعت فرضها ، وذلك باتخاذ السياسات الاقتصادية الكلية الكفيلة باستعادة التوازن في ميزان المدفوعات.
ب ـ مبدأ الدولة الأكثر رعاية :
ويقصد به أن أية ميزة أو معاملة تفضيلية ، يمنحها طرف متعاقد لمنتج دولة أخرى متعاقدة أو غير متعاقدة ، يجب منحها دون قيد أو شرط، لكل الدول الأخر المتعاقدة في المنظمة . ويستثنى من هذا المبدأ ما يلي :
ـ الترتيبات التجارية الإقليمية : كالاتحادات الجمركية ومناطق التجارة الحرة .
ـ حالات الأفضليات المقررة من جانب واحد لمصلحة الدول النامية : كنظام الأفضليات المعمم الذي بموجبه تستورد الدول المتقدمة منتجات صناعية وزراعية مختارة من البلدان النامية على أساس الأفضلية والإعفاء من الضرائب.
ـ قاعدة التمكين . ومعناها أن الأطراف المتعاقدة في " الجات" مجتمعة ، قد تمكن الدول النامية من اتباع إجراءات خاصة لتشجيع تجارتها وتنميتها، والمشاركة على نطاق واسع في التجارة العالمية ، والحصول على مزايا تجارية من الدول المتقدمة لا تعمم على بقية الأطراف المتعاقدة، وهو يعني الإعفاء من الالتزام بمبدأ الدولة الأولى بالرعاية ، كما يمكن الدول النامية من تبادل المزايا فيما بينها دون تعميمها على بقية الأطراف المتعاقدة .
ج ـ مبدأ المعاملة الوطنية :
ويعني عدم اللجوء إلى قيود غير الرسوم الجمركية ، من أجل حماية المنتج الوطني ومنع المنتج المستورد . مثل فرض الضرائب، أو القوانين، أو القرارات والإجراءات التنظيمية الأخر . فالدول المتعاقدة في الجات تلتزم أن تعطي السلعة المستوردة معاملة لا تقل عن تلك التي تعطيها للسلعة المناظرة لها المنتجة محليا . فمثلا لا تفرض تلك البلدان على السلع المستوردة ـ بعد أن تكون قد دخلت أسواقها المحلية ودفعت الرسوم الجمركية عليها عند الحدود ـ أية ضرائب محلية مثل: ضريبة المبيعات ، أو ضريبة القيمة المضافة ، بنسب أعلى من النسب التي تفرضها على منتجاتها المحلية .
د ـ مبدأ عدم الإغراق :
ويعني تعهد الأطراف المتعاقدة بعدم تصدير منتجاتها بأسعار أقل من السعر التوازني لهذه المنتجات في الدولة المصدرة ، إذا كان ذلك يؤدي إلى إيقاع ضرر بالغ بمصالح المنتجين المحليين في الدولة المتعاقدة المستوردة، أو مجرد التهديد بإيقاع مثل هذا الضرر . ولذلك تطلب المنظمة من الدول الأعضاء التعهد بتجنب دعم الصادرات ، وتعده من الإغراق ، حيث إن تقديم طرف متعاقد إعانة للصادرات وبخاصة الصادرات المصنعة ، قد يؤدي إلى إيقاع ضرر بطرف متعاقد آخر. وفي هذه الحالة ، يحق للطرف المتعاقد المتضرر ، فرض رسم جمركي تعويضي لإلغاء أثر الإغراق .