الزوار الحاليين : 3
زوار اليوم: : 34
مجموع الزوار : 17,679
الصفحات المقروءة : 61,597
أخبار الموقع

لا يوجد مادة.

: بحوث علمية
طباعة

  : بحوث علمية
مراعاة مقاصد الشريعة في السياسة الشرعية
 

 

 

 

 

 

 

 

مراعاة مقاصد الشريعة في السياسة الشرعية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. ناصـح بن ناصح المرزوقي البقمي

أستاذ السياسة الشرعية المساعد

المشرف على إدارة البرامج التطويرية

بمعهد الدراسات الدبلوماسية

 

 نشر هذا البحث في مجلة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة

 

 

 

 

 

 

 

فهرس

الموضوع                                                                          الصفحة

ملخص البحث                                                                        3

المقدمة                                                                                 5

المبحث الأول : معنى مقاصد الشريعة وأقسامها وفوائدها وعلاقتها بالمصالح

أولا : معنى مقاصد الشريعة                                                           6

ثانيا : أقسام مقاصد الشريعة                                                          7

ثالثا :  فوائد علم مقاصد الشريعة                                                    10

رابعا: علاقة المقاصد بالمصالح                                                        12

المبحث الثاني : معنى السياسة الشرعية ومجالاتها

أولا : معنى السياسة الشرعية                                                         15

ثانيا : مجالات السياسة الشرعية عند الفقهاء المتقدمين                                18

ثالثا : مجالات السياسة الشرعية عند الفقهاء المتأخرين                                22

المبحث الثالث : أمثلة من السياسة الشرعية التي راعى فيها النبي صلى الله عليه وسلم مقاصد الشريعة

أولا: التريث في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب                         30

ثانيا : صلح الحديبية                                                                 32

ثالثا : عدم عقاب المنافقين الذين بدر منهم ما يوجب العقاب                       34

رابعا : عدم هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم                                 37

الخاتمة : في أهم النتائج والتوصيات                            

أولا :أهم النتائج                                                                     39

ثانيا : أهم التوصيات                                                                40  

قائمة المراجع                                                                         41

 

 

 

ملخص البحث

 

 من أهم الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة في هذا الموضوع ندرة الدراسات التي تربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم في سياسته الشرعية ، وكيفية التطبيق على قضايا الواقع . وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة مباحث :

المبحث الأول في معنى مقاصد الشريعة وأقسامها وفوائدها وعلاقة المقاصد بالمصالح  .

المبحث الثاني في معنى السياسة الشرعية ومجالاتها عند الفقهاء المتقدمين والمتأخرين .

المبحث الثالث في ذكر بعض من أمثلة السياسة الشرعية التي راعى فيها النبي صلى الله عليه وسلم مقاصد الشريعة الإسلامية .  

وكانت أهم النتائج كما يلي :

1ـ أهمية علم المقاصد في عملية الاجتهاد وبخاصة في مجال السياسة الشرعية في هذا العصر، الذي كثرت فيه النوازل وتنوعت .

2ـ أن الناس انقسموا بشأن العمل بالشريعة إلى ثلاثة أقسام :

ـ قسم قصر في فهمها ؛ لضيق أفقه ، وقصر نظره ، فمنع أشياء لا تنافي الشريعة مع حاجة الأمة إليها ، مما أدخل الضيق والحرج على الأمة . وأن السلاطين عندما رأوا قصر نظر بعض العلماء ، وإدخال الحرج على الأمة ، دفعهم ذلك إلى اتباع سياسات على غير هدى الشرع ، جرت الفساد والشر على الأمة. ومن ذلك القوانين الوضعية .

ـ وقسم أباح أشياء تنافي شرع الله وحمّل الشريعة ما لم تحتمل ، وأدخل في شرع الله ما ليس منه .

ـ وقسم راعى النصوص والمقاصد فوسع مفهوم النصوص وربط المقاصد بها . وهذا هو الحق .

 

3ـ أهمية أمرين بالنسبة إلى المجتهد : الأول معرفة الشريعة وفهمها فهما صحيحا ، والثاني: معرفة الواقع وأحوال الناس وأعرافهم ، ثم تنزيل الأول على الثاني بعناية شديدة .

4ـ أن مسائل السياسة الشرعية التي بحثها الفقهاء المتقدمون تشمل ما ورد به النص سواء في الكتاب أو السنة أو لم يرد به النص .

5ـ أن القضايا التي بحثوها في الأحكام السلطانية ، هي نفسها القضايا التي بحثوها في السياسة الشرعية ؛ مما يدل على مطابقة مصطلح " الأحكام السلطانية " لمصطلح "السياسة الشرعية " .

6ـ أن بعض الفقهاء المعاصرين يحصر السياسة الشرعية فيما لم يرد به النص أو ما ورد به النص لكنه يتغير بتغير الزمان والمكان  . ولعلهم أرادوا بذلك صد الجامحين في اجتهادهم من تجاوز النصوص القاطعة ودعوى المصلحة على خلافها .

7ـ أن الفقهاء المعاصرين قد اهتموا بربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة ؛ من أجل بناء الاجتهادات المعاصرة في المجالات التي لم يرد بها النص وفق أصول الشريعة العامة وقواعدها .

8ـ أن معظم مسائل السياسة الشرعية التي بحثها الفقهاء المتقدمون والمعاصرون تدرس الآن في ثلاثة تخصصات هي : العلوم السياسة ، والاقتصاد، والقانون . فمسائل تولي الحاكم تبحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية ، ومسائل موارد الدولة ونفقاتها وهي المسماة الآن بالنظام المالي للدولة تبحث في علم الاقتصاد وبخاصة الاقتصاد السياسي، ومسائل العقوبات والجرائم والقضاء تبحث في تخصص القانون . وأن الفقهاء المعاصرين قد حالوا ربط السياسة الشرعية بالتخصصات المعاصرة ، لكن الفجوة بينهما لا زالت كبيرة .

9ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد راعى مقاصد الشريعة في سياسته الشرعية . يتضح ذلك من تركه لقتال أهل مكة عندما منعوه هو وأصحابه من أداء العمرة والجنوح إلى الصلح، والتريث في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب بعدما أعلن أنه سيخرجهم، وعدم عقاب من استحق العقاب من المنافقين الذين بدر مكنهم ما يوجب العقاب ، وعدم هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم بالرغم من رغبته في ذلك .  

   وأما أهم التوصيات فهي :

1ـ الاهتمام بعلم المقاصد ، تعلما وتعليما وتطبيقا في حياة الأمة .

2ـ الرجوع إلى الفتاوى المنضبطة بضوابط المصلحة كفتاوى واجتهادات المجامع الفقهية الموثوقة كهيئة كبار العلماء في المملكة، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة .

3ـ الحذر من الفتاوى والاجتهادات التي تصدر من أفراد أو جهات ، لا تملك أهلية الاجتهاد ، أو تتأثر بالمصالح غير المنضبطة أو السياسة أو نحوها .

4ـ تدريس فقه السياسة الشرعية بفرعيه : العلاقة بين الحاكم والمحكوم وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول ، في الجامعات والكليات والمعاهد العليا، مع مقارنته بالقوانين الدستورية والدولية التي تحكم العالم في هذا العصر ، وبيان موافقتها أو مخالفتها له.

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

   المقدمة :

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فقد نصت المادة الخامسة والستون من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية على ما يلي : " يقوم الملك بسياسة الأمة سياسة شرعية طبقا لأحكام الإسلام " ([1]) . هذا النص يجعل معرفة السياسة الشرعية أمرا في غاية الأهمية ؛ لأن معرفتها وبيانها ؛ مما يعين ولي الأمر على أداء مهمته تلك على أكمل وجه . وهذا يتطلب بيان معنى السياسة الشرعية ومجالاتها ، وكيف تطبق وفقا لمقاصد الشريعة الإسلامية ، وهذا ما سأبينه في هذا البحث.

   أما الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة في هذا الموضوع فأهمها ندرة الدراسات التي تربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم في سياسته الشرعية ، وكيفية التطبيق على قضايا الواقع .

 

   وقد قسمت هذا البحث إلى : مقدمة ، وثلاثة مباحث ، وخاتمة . فالمبحث الأول في معنى مقاصد الشريعة الإسلامية ، وأقسامها ، وفوائدها، وعلاقة المقاصد بالمصالح. والمبحث الثاني في معنى السياسة الشرعية ومجالاتها. والمبحث الثالث في ذكر بعض أمثلة السياسة الشرعية التي راعى فيها النبي صلى الله عليه وسلم مقاصد الشريعة الإسلامية . أما الخاتمة فهي في النتائج والتوصيات  ([2]). 

 

 

 

 

المبحث الأول

معنى مقاصد الشريعة وأقسامها وفوائدها وعلاقتها بالمصالح

 

     في هذا المبحث سأتحدث عن المقاصد الشرعية من ناحية معناها ، وأقسامها ، وفوائدها، وعلاقتها بالمصالح .

أولا : معنى مقاصد الشريعة :

   المقاصد لغة جمع مقصد . ذكر ابن فارس أن القاف والصاد والدال أصول ثلاثة يدل أحدها على إتيان شيء وأمه ، وثانيهما على كسر وانكسار ، وثالثهما على اكتناز في الشيء ([3]). وأقرب هذه المعاني لمقاصد الشريعة هو المعنى الأول . وأما في الاصطلاح فقد عُرّفت مقاصد الشريعة عدة تعريفات ، منها ما يلي :

1ـ تعريف ابن عاشور حيث قال : " مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها ؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة ". ثم أضاف : "فيدخل في هذا أوصاف الشريعة ، وغايتها العامة ، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها ، ويدخل في هذا أيضا معان من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها " ([4]) .

   وهذا تعريف للمقاصد العامة فقط ، وقد عرّف المقاصد الخاصة بعد ذلك فقال : " هي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة " ([5]) .

  وعرّفها يوسف العالم فقال : " ومقاصد الشارع هي المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم ، سواء كان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أو عن طريق دفع المضار " ([6]) .

3ـ وعرّفها أحمد الريسوني بقوله : " مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد " ([7]) .

   ولو عبر بلفظة " أنزلت " بدلا من " وضعت " لكان أحسن ([8]) .

4 ـ وعرّفها اليوبي بقوله : " المقاصد هي المعاني والحِكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموما وخصوصا ؛ من أجل تحقيق مصالح العباد " ([9]) .

6ـ وعرّفها الخادمي بأنها " المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية ، والمترتبة عليها سواء أكانت تلك المعاني حِكما جزئية ، أم مصالح كلية، أم سمات إجمالية " وهي تتجمع ضمن هدف واحد ، هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين ([10]) .

   وقد تميز تعريفه بتأكيد أمر مهم هو أن المقاصد شرعت لتقرير العبودية لله ، وأنها شاملة للدنيا والآخرة . وأُخذ على هذا التعريف التطويل فعبارة " سواء أكانت تلك المعاني حكما جزئية أم مصالح كلية " لا داعي لها في التعريف، وفيه تكرار ، فعبارة " المترتية عليها " لا داعي لها؛ لأن المعاني مترتبة على الأحكام بالأصل ([11]) .

  

ثانيا : أقسام مقاصد الشريعة:

  تنقسم مقاصد الشريعة إلى عدة أقسام كما يلي([12]):

القسم الأول : من جهة الحاجة إليها وقوتها وتأثيرها وهي ثلاثة أنواع ([13]):

1ـ مقاصد ضرورية . والضرورة عند علماء المقاصد هي الأمر الذي يترتب على فقده أو اختلاله هلاك النفس أو فوت الحياة.

  والضرورات هي : المحافظة على الدين ، والنفس ، والعقل، والنسل، والمال. فالدين حفظه يكون بالإيمان، والإتيان بأركان الإسلام الخمسة ، والجهاد، ومحاربة البدع . والنفس حفظها يكون بالقيام عليها، وتوفير أسباب العيش لها ، ومشروعية القصاص لمن اعتدى عليها . والعقل يكون حفظه بالعلم، وتحريم المسكرات ، والمخدرات. والنسل يكون حفظه بالنكاح ، وضبط النسب ، وتحريم الزنى . والمال يكون حفظه بتنميته، وعدم إتلافه ، وإيجاب الضمان ، وحد السرقة على من تعدى عليه.

 

2ـ مقاصد حاجية : وهي التي يفتقر إليها من جهة التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة . مثالها في العبادات : رخص المرض والسفر ، والنطق بكلمة الكفر عند الإكراه ، وفي العادات: إباحة الصيد ، وفي المعاملات : الإجارة والمضاربة ، وفي الجنايات : فرض الدية على العاقلة ، وتضمين الصنّاع . 

3ـ مقاصد تحسينية : وهي ما لا يرجع إلى ضرورة أو حاجة ، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين . مثالها في العبادات : إزالة النجاسة وستر العورة ، وفي العادات : آداب الأكل والشرب ، وفي المعاملات : منع بيع النجاسات ، وفي الجنايات : منع قتل الحر بالعبد .

القسم الثاني : من جهة محل صدورها ، وتنقسم إلى نوعين ([14]):

1ـ مقاصد الشارع ، وهي الغايات الحميدة والأهداف العظيمة ، من جلب المصالح ودرء المفاسد ، التي أراد الله حصولها من تشريع أوامره ونواهيه.

2ـ مقاصد المكلف وهي الأهداف التي قصدها المكلف من تصرفاته واعتقاداته ، وأقواله، وأفعاله ، وهي التي تميز بين القصد الصحيح والقصد الفاسد ، وبين العادة والعبادة ، وبين ما هو خالص لله وبين ما هو رياء وسمعة .

القسم الثالث : من جهة زمن حصولها وهي نوعان :

1ـ المقاصد الأخروية وهي التي ترجع إلى تحصيل مصالح الآخرة في الغالب من جلب الثواب ودفع العقاب ، ولا يمنع أن تؤدي إلى مصلحة دنيوية . فالصلاة يقصد بها أمر أخروي هو رضوان الله وثوابه وأمر دنيوي هو تجنب الفحشاء والمنكر ، والزكاة يقصد بها أمر أخروي هو رضوان الله وثوابه وأمر دنيوي هو المحبة والتكافل بين أفراد المجتمع ، والصوم يقصد به أمر أخروي هو رضوان الله وثوابه وأمر دنيوي هو صفاء النفس ، والحج يقصد به أمر أخروي هو رضوان الله وثوابه وأمر دنيوي هو التعارف والتجارة .

2ـ المقاصد الدنيوية وهي التي ترجع إلى تحصيل مصالح الدنيا أو دفع مفاسدها .

القسم الرابع من جهة تعلقها بعموم التشريع وخصوصه وهي ثلاثة أنواع :

1ـ المقاصد العامة وهي التي تراعيها الشريعة في أحكامها كلها أو أغلبها . كالضروريات التي تقدمت .

2ـ المقاصد الخاصة وهي التي تهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين من أبواب التشريع. كأحكام النكاح ، والتصرفات المالية ، والقضاء ، والعبادات .

3ـ المقاصد الجزئية وهي ما يقصده الشارع من خطابه في حكم تكليفي: إيجاب ، أو تحريم ، أو ندب ، أو كراهة ، أو إباحة . أو حكم وضعي : شرط ، أو سبب ، أو مانع ، أو علة .

القسم الخامس من جهة القطع والظن وهي ثلاثة أنواع :

1ـ المقاصد القطعية ، وهي التي تواتر على إثباتها طائفة كثيرة من النصوص الشرعية ، كالتيسير ، ورفع الحرج ، وإقامة العدل .

2ـ المقاصد الظنية وهي تقع دون مرتبة القطع واليقين ، وتختلف الأنظار بشأنها مثل : تحريم القليل من النبيذ ، وتطليق الزوجة من زوجها المفقود ، وضرب المتهم بالسرقة ، وتوريث المطلقة ثلاثا في مرض الموت .

3ـ المقاصد الوهمية وهي التي يتخيل أن فيها جلب مصلحة أو دفع مفسدة ، والحقيقة أنها خلاف ذلك .

القسم السادس من جهة تعلقها بعموم الأمة وأفرادها وتنقسم إلى ثلاثة أنواع :

1ـ مقاصد كلية وهي التي تتعلق بالخلق كافة ويعود نفعها على عموم الأمة مثل : حفظ القرآن والسنة من التحريف ، وإقامة العدل .

2ـ مقاصد أغلبية وهي التي تتعلق بأغلب الخلق وتدفع الفساد عن معظمهم مثل : تضمين الصنّاع ، وحفظ الأموال في المصارف ، والعلاج في المستشفيات .

3ـ مقاصد فردية وهي العائدة على فرد معين ، وربما في حال نادرة مثل : فسخ نكاح زوجة المفقود ، وتوريث المطلقة ثلاثا في مرض الموت .

القسم السابع من جهة أصليتها وتبعيتها ، ومن جهة حظ المكلف وعدمه وهي نوعان ([15]):

1ـ المقاصد الأصلية وهي التي لا حظ فيها للمكلف؛ لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة لا تختص بحال دون حال ولا بصورة دون صورة ولا بوقت دون وقت ، وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة ، وهي ضرورات عينية وكفائية.

2ـ المقاصد التبعية وهي التي روعي فيها حظ المكلف فمن جهتها يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات. وهي خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها .

 

ثالثا: فوائد علم مقاصد الشريعة :

   لعلم المقاصد فوائد سواء للعامي أو للمجتهد . فمن أهم فوائد علم المقاصد للعامي ما يلي ([16]):

1ـ إبراز علل التشريع ، وحِكمه ، ومراميه الجزئية والكلية، العامة والخاصة ، في شتى مجالات الحياة ، وفي مختلف أبواب الشريعة، مع إبراز محاسن الشريعة . فالكشف للناس عن مقاصد الشريعة وأهدافها ، يقنع الناس بها ، ويرغبهم فيها ؛ لأن النفوس البشرية تحب ما ينفعها ، وتميل قلوبها إلى ما وضحت طريقته وظهرت منفعته .

2ـ زيادة الإيمان بالله ، وترسيخ العقيدة في قلب المسلم ، لتكون عنده القناعة في دينه ، فيزداد محبة له ويلتزم به ، ويحقق العبودية لله ، التي هي الغاية من الخلق . مما يكسب المسلم مناعة ضد الغزو الفكري والعقدي والتيارات المستوردة ، خاصة في وقتنا الحاضر .

3ـ جعل قصد المسلم موافقا لقصد الشارع ، فإذا عرف المقاصد وسعى إلى تحقيقها  ، صارت مقاصده تبعا لمقاصد شريعته ، فلا يتهرب منها ولا يتحايل عليها. 

4ـ عون المكلف على الامتثال على أحسن الوجوه وأتمها ، ذلك أن المكلف إذا علم مثلا: أن المقصد من الحج التأدب الكامل مع الناس ، والتحلي بأخلاق الإسلام العليا ، سيعمل جاهدا ، قصد تحصيل تلك المرتبة العليا ، التي تجعل صاحبها عائدا بعد حجه كيوم ولدته أمه .

5ـ عون المسلمين على أداء وظائفهم وأعمالهم ، على وفق مراد الشارع ومقصود الأمر والنهي ، وليس على وفق حرفيات النصوص ، وظواهر الخطاب ، ومباني الألفاظ . وفي ذلك دحض لشبه المغرضين ، وتفنيد لآراء المفترين ، الذين يتهمون الشريعة بالجمود ، والقصور ، وعدم الوفاء بمتطلبات العصر وحاجات الناس . وتظهر أهمية المقاصد بالنسبة إلى الداعية، في ترتيب سلم الأولويات في الدعوة إلى الله ، فيقدم الضروريات على الحاجيات والتحسينيات ، ويقدم الأصل على التابع ، ويقدم ما فيه مصلحة عامة على ما فيه مصلحة خاصة ، ويحذر الناس من الضرر الذي خطره أكبر ، ويخاطب الناس على قدر عقولهم ومستوياتهم من الفهم. ويسمى بعضهم هذا" فقه الواقع " .

6ـ التقليل من الاختلاف والنزاع الفقهي ، والتعصب المذهبي ، وذلك باعتماد علم المقاصد في مسألة بناء الحكم ، وتنسيق الآراء المختلفة ، ودرء التعارض بينها .

7ـ معالجة مشكلات العصر على قبس من نور الرسالة المحمدية وآثار السلف ؛ لأن علم المقاصد له صلة قوية بهما، وله فوائد عظيمة في هذا العصر .

8ـ يمكننا علم المقاصد من وضع ضوابط وقواعد ، ورسم معالم وحدود تمنع من الغلو في الدين ، وفي الوقت نفسه تمنع من الفوضى والتلاعب بالنصوص .

   أما فوائد علم المقاصد للمجتهد ، فيمكن حصرها في مجالات خمسة هي ([17]) :

1ـ فهم النصوص ، وتفسيرها ، ومعرفة دلالاتها . فالشارع قصد من أحكامه تحقيق عبوديته ، وتحقيق مصالح عباده ودفع الفساد عنهم . فإذا وردت نصوص شرعية تحتاج إلى تفسير ، فإنها تفسر ويحدد مجال إعمالها وتطبيقها في ضوء المصالح والمقاصد التي وردت النصوص لتحقيقها . وهذا المنهج لا يلتزم التفسير الحرفي للنص الشرعي ، بل يستلهم الحِكم والمصالح التي جاء ت من أجلها النصوص ، للتوفيق بين خاصتي الأخذ بظاهر النص، والالتفات إلى روحه ومدلوله على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ، ولا  بالعكس ، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض . فالاستنباط في ضوء المقاصد سيعين الفقيه على فهم الحكم وتحديد تطبيقه.

2ـ الترجيح بين الأدلة المتعارضة والتوفيق بينها ، فتكون مقاصد الشريعة بذلك وسيلة للتقليل من الاختلاف ، وللتقريب بين وجهات النظر وتضييق شقة النزاع بين المسلمين .

3ـ معرفة أحكام الوقائع التي لم ينص عليها بالخصوص: فالاجتهاد المقاصدي يوسع دائرة النص الشرعي ، حتى تتسع الشريعة لكل ما يجد من الحوادث والنوازل . وهذا كفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع إلى انقضاء الدنيا .

4ـ تنزيل الأحكام الشرعية على الظروف المكانية والزمانية ( فقه الواقع وتحقيق المناط ). ولهذا كان من لوازم مراعاة المصالح ، الإحاطة بأعراف الناس وعاداتهم . فربط النص بالأحوال المتغيرة والظروف المحتفّة والأعراف المتبدلة ، يخلص العقل المسلم من الفوضى وانفلات الفقه ، ويمثل المعيار في التعامل مع الأحكام الشرعية .

5ـ تحقيق التوازن والاعتدال في الأحكام وعدم الاضطراب : فالمجتهد يجعل مقاصد الشريعة نصب عينيه ؛ لتضيء له الطريق ، وتصحح له المسار ، وتعينه على الوصول إلى الحق ، والعدل ، والصواب ، والسداد. لأن المقاصد كالمُحكمات التي ترد إليها المتشابهات، والكليات التي ترد إليها الجزئيات ، فتجري الأحكام على اتزان واعتدال، بلا خلل أو اعتلال  .

 

رابعا : علاقة المقاصد بالمصالح :

  العلاقة بينهما وثيقة لأن جلب المصالح ودرء الفاسد من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية . وتنقسم المصالح من جهة شهادة الشرع لها إلى ثلاثة أقسام هي ([18]):

1ـ مصالح شهد الشرع لاعتبارها ، فهي حجة ، ويرجع حاصلها إلى القياس ، وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع . مثاله : كل ما أسكر من مشروب أو مأكول ، فيحرم قياسا على الخمر ؛لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف ، فتحريم الشرع الخمر ، دليل على مراعاة هذه المصلحة .

2ـ مصالح شهد الشرع لبطلانها . مثاله : فتوى بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان : أن عليه صيام شهرين متتابعين زجرا له ، ولم يأمره بعتق رقبة مع اتساع ماله ؛ لعدم انزجاره بذلك . فهذه مصلحة باطلة لأنها مخالفة للنص في تقديم الإعتاق على الصوم.

3ـ ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان ، وهذه هي المصلحة المرسلة .

   والمصلحة سلاح ذو حدين يدعيها من يريد الحق ومن يريد الباطل على حد سواء . ولذلك فإن المصلحة المقصودة في هذا البحث هي المصلحة المنضبطة بضوابط الشرع ، وقد بيّنها مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بيانا شافيا حيث أصدر قرارا في دورته الخامسة عشرة عام 1425هـ ذكر فيه أن الأحكام الشرعية مبنية على أساس جلب المصالح ودرء المفاسد ، وفيما يلي نص القرار ([19]) :

"1ـ المراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع وهو الحفاظ على الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال . والمصلحة المرسلة هي التي لم ينص الشارع عليها بعينها أو نوعها بالاعتبار أو الإلغاء ، وهي داخلة تحت المقاصد الكلية .

2 ـ يجب أن يتأكد الفقيه من وجود ضوابط المصلحة وهي :

ـ أن تكون حقيقية لا وهمية .

ـ كلية لا جزئية .

ـ عامة لا خاصة .

ـ لا تعارضها مصلحة أخرى أولى منها أو مساوية لها .

ـ ملائمة لمقاصد الشريعة .

    وقد وضع العلماء معايير دقيقة للتمييز بين أنواع المصالح ، والترجيح بينها على أساس بيان متعلق هذه المصالح . فقسمهوها من حيث تعلقها بحياة الناس إلى ثلاثة أقسام ، ورتبوها حسب درجة اعتبارها، وهذه الأقسام هي :

ـ الضروريات .

ـ الحاجيات .

ـ التحسينيات .

3 ـ من المقرر فقها أن تصرف ولي الأمر على الرعية منوط بالمصلحة . فعليه مراعاة ذلك في قيامه بإدارة شؤونها ، وعلى الأمة طاعته في ذلك .

4 ـ للمصلحة المرسلة تطبيقات واسعة في شؤون المجتمع ، وفي المجالات : الاقتصادية ، والاجتماعية ، والتربوية ، والإدارية ، والقضائية، وغيرها .

   وبهذا يظهر خلود الشريعة ومواكبتها لحاجات المجتمعات الإنسانية ".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني 

معنى السياسة الشرعية ومجالاتها

 

    تطرق بعض الفقهاء إلى قضايا السياسة الشرعية في كتبهم ضمن أبواب الفقه ، وأفردها بعضهم في مؤلفات مستقلة بعنوان " الإمامة الكبرى " ، وبعضهم بعنوان "الأحكام السلطانية " ، وبعضهم بحثها تحت التسمية الشهيرة "السياسة الشرعية " ، وبعضهم بحثها تحت تسميات أخر كما فعل بعض المتأخرين . وفيما يلي عرض موجز لذلك:

أولا : معنى السياسة الشرعية  :

   السياسة في اللغة هي " القيام على الشيء بما يصلحه " ([20]). أما في الاصطلاح فقد عرفت بعدة تعريفات على النحو التالي :

ـ عرّف ابن عابدين السياسة الشرعية بأنها " تغليظ جناية لها حكم شرعي حسما لمادة الفساد " ([21]) . ومراده تغليظ عقوبة جناية .

  وعليه يكون لفظ السياسة مرادفا للفظ التعزير وهو معنى ضيق جدا.

ـ وعرّف ابن عقيل السياسة الشرعية بأنها " ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي " ([22]) .

   وهو معنى عام للسياسة الشرعية .

ـ وأوسع معنى للسياسة الشرعية هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى قوله تعالى: ¨bÎ) ©!$# öNä.ããBù'tƒ br& (#rŠxsè? ÏM»uZ»tBF{$# #n<Î) $ygÏ=÷dr& #sŒÎ)ur OçFôJs3xm tû÷üt/ Ĩ$¨Z9$# br& (#qßJä3øtrB ÉAôyèø9$$Î/[23] . حيث قال: " وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل ، فهذا جماع السياسة العادلة ، والسياسة الصالحة " ([24]) . فكأنه يعني أن مقصود السياسة الشرعية هو أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل .

ـ وتكلم ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية ([25]) عن السياسة الشرعية على أنها طريقة من طرائق إثبات الحقوق مكمّلة للبينة كاليمين والشهود ونحو ذلك .

   وهو معنى ضيق ، لكن الذي يتضح من كلامه في كتبه الأخر التي تطرق فيها إلى السياسة الشرعية أنه قصد بها " تدبير حاكم أو من ينوب مكانه ، شؤون الأمة في مختلف مجالات الحياة ، بما يحقق المصلحة ويتفق مع الشرع " ([26]).

 

ـ وعرّف عبد الوهاب خلاف السياسة الشرعية بأنها :" تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية ، بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار ، مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية ، وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين" ([27]) .

ـ أما عبد العال عطوة فقد عرّف السياسة الشرعية بأنها : " تدبير شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح ، أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل ، بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها" ([28]) .

  ويلحظ أنه قصر المعنى على المجالات التي لم يرد بها النص ، أو التي ورد بها نص لكنه يتغير بتغير المصلحة . وذكر أنه اصطلاح الفقهاء المتأخرين . فيخرج بذلك أحكام : القتل، والزنى ، والسرقة ، وشرب الخمر ، ونحوها مما ورد به النص ، فتكون من الفقه وليست من السياسة الشرعية. 

ـ أما الشيخ يوسف القرضاوي  فقد ذكر أن السياسة في اصطلاح علمائنا القدامى لها معنيان : أحدهما المعنى العام وهو تدبير أمور الناس وشؤون دنياهم بشرائع الدين . ولهذا نجدهم يعرفون الخلافة بأنها نيابة عن رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا به . والثاني المعنى الخاص وهو ما يراه الإمام أو يصدره من الأحكام والقرارات ، زجرا عن فساد واقع، أو وقاية من فساد متوقع ، أو علاجا لوضع خاص (([29].

  ولعله قد اختار المعنى الثاني حيث قال في تعريفها: السياسة الشرعية هي السياسة القائمة على قواعد الشرع ، وأحكامه ، وتوجيهاته . فهو قريب من تعريف عبد العال عطوة والمتأخرين من الفقهاء عموما .

ـ أما العنبري فقد عرّف السياسة في المنظور الإسلامي بأنها "رعاية شؤون الأمة في الداخل والخارج بما لا يخالف الشريعة الإسلامية" ثم قال : " فالسياسة الشرعية لا تقف على ما نطق به الشرع الشريف ، وإنما يشترط أن لا تخالف نصوص القرآن والسنة ، وإجماع الأمة ، وقواعد الشريعة وأصولها العامة "([30]) .

ـ وعرّفت جميلة الرفاعي السياسة الشرعية بأنها " أحكام وإجراءات شرعية من مسؤول شرعا ، تدبر بها شؤون الأمة في مختلف مجالات الحياة ، سواء ورد في ذلك نص أو لم يرد، محققة المصلحة الموافقة لروح الشرع " ([31]).

  فهي قد وسعت معنى السياسة الشرعية كما فعل المتقدمون .

ـ وذكر الثمالي أن السياسة الشرعية أوسع من أن يراد بها مجرد التعزير وتغليظ العقوبة ، أو مجرد طريقة من طرائق إثبات الحقوق والحكم بين الناس، أو تكون مخصوصة بالحكم بالمصالح المرسلة فيما لم يرد نص على خصوصه ، بل يكون المراد منها على هذا المعنى ، اتباع الشرع فيما جاء به وتطبيق أحكامه وطرقه في إدارة شؤون الدولة الإسلامية ([32]).

  فالسياسة الشرعية هي العمل بما ورد به النص في الشرع من تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع في المجالات : السياسية ، والاقتصادية، والاجتماعية ، إضافة إلى ما يتخذه ولي الأمر من نظم وإجراءات في المجالات التي لم يرد بها نص ([33]).

  ومما تقدم يمكن أن نعرف السياسة الشرعية بأنها " تدبير شؤون الدولة الإسلامية الداخلية والخارجية بما فيه مصلحة الأمة ، وفقا لنصوص الشريعة الإسلامية وأصولها العامة ".

 

ثانيا : مجالات السياسة الشرعية عند الفقهاء المتقدمين :

 

1ـ ألف أبو يعلى الحنبلي كتابه المعروف المسمى " الأحكام السلطانية " وبحث فيه قضايا مهمة في مجالات السياسة الشرعية منها ما يلي ([34]):

أ ـ الإمامة : ويعني بها الإمامة العظمى ، أي رئاسة الدولة . ووجوب نصب الإمام ، والشروط التي ينبغي توافرها فيمن يختار الإمام ، ومسألة تولي الإمامة بالقوة ، وولاية العهد ، وولايات الإمام ، وتدبير أمور الحرب والجهاد ، وأمور الصلح والمعاهدات ، وقتال أهل الردة ، وقتال أهل البغي ، وقطاع الطرق .

ب ـ القضاء : حيث ذكر شروط تولي القضاة وعزلهم ، واختصاصاتهم، والمنطقة التي يقضي فيها القاضي ، ومسألة طلب القضاء ، والمظالم وغير ذلك. وتحدث عن أحكام الجرائم ، وكيف يسمع القاضي من المتهم والشهود ، ثم تحدث عن الحدود كحد الزنى ، وحد الخمر ، وحد القذف ، وحد السرقة، ثم القصاص وأحكامه ، ثم التعزير، ثم الحسبة ومهامهم ومنها مراقبة الأسواق . 

ج ـ الموارد المالية: حيث تحدث عن أنواع الأموال الزكوية ، والتفريق بين الأموال الباطنة التي يخرجها الشخص بنفسه والأموال الظاهرة التي يطلبها الإمام ، وتوزيع الزكاة على مستحقيها ، وغير ذلك . ثم تحدث عن موارد أخر كالفيء ، والغنيمة ، والخراج ، والجزية ، والعشور . وتحدث عن الأسرى ، وعن عهد الذمة ومتي ينتقض .

2ـ وللماوردي الشافعي كتاب بهذا الاسم أيضا " الأحكام السلطانية " يكاد يطابق كتاب أبي يعلى إلا أن فيه بعض الزيادات ، وذكر بعض الأقوال من غير المذهب الشافعي، ولم أجد فيه كذلك تعريفا للسياسة الشرعية ([35]).

 

3 ـ قسّم ابن تيمية كتابه السياسة الشرعية ([36]) إلى قسمين ؛القسم الأول : أداء الأمانات، حيث تحدث في الباب الأول منه عن الولايات من ناحية استعمال الأصلح ، واختيار الأمثل فالأمثل، ثم تحدث في الباب الثاني عن الأموال السلطانية كالصدقات ، والغنيمة ، والفيء ، ثم تحدث في الفصل الثالث عن الظلم الواقع من الولاة على الرعية. ثم ختم الباب بالحديث عن وجوه صرف الأموال وهي المسماة الآن بالنفقات في الموازنة العامة للدولة .

   ثم تحدث في الباب الأول من القسم الثاني من الكتاب  عن الحدود والحقوق ، حيث بيّن حدود الله وحقوقه ، ثم بيّن عقوبة المحاربين وقطاع الطرق ، وواجب المسلمين إذا طلب السلطان المحاربين وقطاع الطريق ، ثم بيّن الحدود الشرعية المعروفة كحد السرقة ، وحد الزنى ، وحد القذف، وحد شرب الخمر ، ثم بيّن عقوبات المعاصي التي ليس فيها حد مقدر وهي التعزيرات . ثم تحدث عن الجهاد ، ثم في الباب الثاني بيّن الحدود والحقوق التي لآدمي معين سواء في النفوس ، أو الأعراض ، أو الأبضاع ، ثم ختم الكتاب بالحديث عن الشورى ، ووجوب اتخاذ الإمارة.

   ويستفاد مما ذكره شيخ الإسلام ما يلي :

ـ أن معظم المسائل التي بحثها باسم السياسة الشرعية ، هي المسائل التي بحثها أبو يعلى والماوردي باسم الأحكام السلطانية .

ـ أنه جعل مصطلح السياسة الشرعية شاملا لما ورد به النص والذي لم يرد به .

ـ أن مجالات السياسة الشرعية عنده هي مجالات سياسية ، واقتصادية، وقضائية .

تحدث ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ([37]) فقد تحدث فيه عن أحد أقسام السياسة الشرعية وهو المتعلق بالجنايات ، والعقوبات، وشؤون القضاء. حيث تناول فيه حكم القاضي بالفراسة ، والقيافة ، والقرائن ، ثم إثبات الدعوى بالشهود وغيرها من البيّنات ، ثم تحدث عن عموم الولايات وخصوصها ، ثم التعزير بالمال.

 ثم انتقل إلى الحديث عن قسم آخر من السياسة الشرعية هو القضايا الاقتصادية ، حيث تحدث عن الحسبة ومراقبة الأسواق ومنع المعاملات المحرمة كالغش ، والربا ، والميسر ، والغرر ، والنجش، والتدليس ، وبيع العينة ، والبيع قبل القبض ، وقلب الدين ، وتلقي السلع قبل نزولها السوق ، وبيع الحاضر للبادي ، والاحتكار ، ثم انتقل إلى الحديث عن التسعير ، وتوسع فيه ، فبيّن أن منه ما هو ظلم وهو إكراه الناس بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه ، وهو الذي امتنع منه النبي عليه الصلاة والسلام ، لأن الارتفاع كان إما لقلة الشيء ( انخفاض العرض ) أو لكثرة الخلق ( زيادة الطلب ) وهذه عوامل اعتيادية لا تتطلب تدخل ولي الأمر في نظام الأسعار ، ومنه ما هو جائز ، ويكون عندما يمتنع أصحاب السلع من بيعها إلا بزيادة عن القيمة المعروفة مع ضرورة الناس إليها ، فهنا يجب على ولي الأمر إجبارهم ببيعها بقيمة المثل ، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل ، والتسعير هاهنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به .

   ثم انتقل إلى الحديث عن محاسبة الموظفين ومنع ضياع المال العام . ثم بيّن بعض العقود الإسلامية كالمضاربة ، والمزارعة ، والمساقاة، والإجارة . 

   ثم تكلم ابن القيم كلاما في غاية الجودة مبيّنا ما يلي :

ـ أن الناس انقسموا بشأن العمل بالشريعة إلى قسمين : قسم قصر في فهمها ؛ لضيق أفقه ، وقصر نظره ، فمنع أشياء لا تنافي الشريعة مع حاجة الأمة إليها ، مما أدخل الضيق والحرج على الأمة . وقسم أباح أشياء تنافي شرع الله وحمّل الشريعة ما لم تحتمل ، وأدخل في شرع الله ما ليس منه .

ـ أن السلاطين عندما رأوا قصر نظر بعض العلماء ، وإدخالهم الحرج على الأمة ، دفعهم ذلك إلى اتباع سياسات على غير هدى الشرع ، جرت الفساد والشر إلى الأمة .

ـ أن ذلك يجعل مهمة المصلحين من العلماء والدعاة لتخليص الأمة من ذلك المأزق ، في غاية الصعوبة .

ـ أهمية أمرين بالنسبة إلى المجتهد : الأول معرفة الشريعة وفهمها فهما صحيحا . والثاني : معرفة الواقع وأحوال الناس وأعرافهم ، ثم تنزيل الأول على الثاني بعناية شديدة .

 وينطبق ما ذكره ابن القيم على واقع الأمة الآن ، فقد أدى قصر نظر بعض العلماء المعاصرين مع أسباب أخر إلى أخذ حكومات معظم البلدان الإسلامية بالقوانين الوضعية المعاصرة وتطبيقها في بلاد المسلمين ، مما جعل مهمة تخليص الأمة من صعبا وهو حال كثير من أمتنا في هذا العصر ، للأسف.

  ويمكن أن نضيف قسما ثالثا لما ذكره ابن القيم وهو القسم الذي راعى النصوص والمقاصد فوسع مفهوم النصوص وربط المقاصد بها . وهذا هو الحق .

   بقي كثير من العلماء ممن تكلموا في السياسة الشرعية بعامة ـ لم يتسع المجال لذكرهم ـ كالجويني في كتابه "غياث الأمم " ([38]) ، أو تكلموا في بعض جوانبها كمحمد بن الحسن في كتابه " السِير " وهو كتاب في العلاقات الدولية والقانون الدولي ، أو أبو يوسف في كتابه "الخراج" ([39]) وأبو عبيد في كتابه "الأموال" ([40]) ، وهما كتابان في الاقتصاد السياسي والمالية العامة.

   ونستنج مما ذكره الفقهاء المتقدمون بخصوص السياسة الشرعية ما يلي : 

ـ أن القضايا التي بحثها أبو يعلى والمارودي في الأحكام السلطانية ، هي نفسها القضايا التي بحثها ابن تيمية وابن القيم في السياسة الشرعية ؛ مما يدل على مطابقة مضمون مصطلح " الأحكام السلطانية " لمضمون مصطلح " السياسة الشرعية " .

ـ أن مسائل السياسة الشرعية التي بحثوها تشمل ما ورد به النص سواء في الكتاب أو السنة أو لم يرد به النص .

ـ أن معظم مسائل السياسة الشرعية التي بحثها الفقهاء المتقدمون تدرس الآن في ثلاثة تخصصات هي : العلوم السياسة ، والاقتصاد، والقانون . فمسائل تولي الإمامة العظمى تبحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية ، ومسائل موارد الدولة ونفقاتها وهي المسماة الآن بالنظام المالي للدولة تبحث في علم الاقتصاد وبخاصة الاقتصاد السياسي، ومسائل العقوبات ، والجنايات ، والقضاء ، تبحث في تخصص القانون . 

 

ثالثا : مجالات السياسة الشرعية عند الفقهاء المتأخرين :

 

1ـ تحت عنوان : "السياسة الشرعية الدستورية " تحدث عبد الوهاب خلاف في كتابه السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية ([41]) عن شكل الحكومة الإسلامية والدعائم التي تقوم عليها ، مثل : الشورى، ومسؤولية أولي الأمر ، واستمداد الرئاسة العليا من البيعة العامة . فالناظر في آيات الكتاب وصحاح السنة يتبين أن الحكومة الإسلامية حكومة دستورية ، وأن الأمر فيها ليس خاصا بفرد وإنما هو للأمة ممثلة في أولي الحل والعقد ؛ لأن الله سبحانه جعل أمر المسلمين شورى بينهم ، وأمر ولي الأمر بالمشاورة ، مما يدل على أنها واجبة ، وأن النظام النيابي واجب في الإسلام ، وأن أمر الرئاسة العليا مستمد من البيعة وموكول إلى الأمة تختار لها من تشاء . وكذلك قرر الإسلام أن رجال الحكومة مسؤولون أمام الأمة ، وهو واضح من النصوص التي يطلب بها من الأمة نصح ولاة الأمر والأخذ على أيدي الظالمين ، ثم ذكر أن هذه المسؤولية من نتائج الشورى ؛ إذ لولا أن للأمة حق الرقابة على الإمام ما أمره الله أن يستشيرها ، فالأمة هي مصدر السلطات .

ـ ثم تكلم عن حقوق الأفراد في الدولة الإسلامية ، وذكر أنها تعود إلى أمرين :

الأول : الحرية الشخصية وتعني أن يكون الشخص قادرا على التصرف في شؤون نفسه ، آمنا من الاعتداء على نفسه ، أو ماله ، أو عرضه ، أو حق من حقوقه ، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره . ثم ذكر أن هذه الحرية مكونة من عدة حريات وهي : الحرية الفردية ، وحرية المأوى ، وحرية الملكية ، وحرية الاعتقاد ، وحرية الرأي ، وحرية التعليم.

الثاني : المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية .  فالإسلام لا يفرق بين عربي وأعجمي ، ولا بين فرد وآخر عند العمل بالأحكام الشرعية ، وكل مناصب الدولة حق مشاع بين أفراد الأمة .

ـ ثم تحدث عن السلطات ومصدرها ومن يتولاها ، فذكر أن الذي يتولى السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية هم المجتهدون وأهل الفتيا ، وسلطتهم لا تعدو أمرين: سلطتهم بشأن ما فيه النص من الشريعة ـ وهي القانون الأساسي ـ هو تفهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه . وسلطتهم فيما ليس فيه نص هي قياسه على ما فيه نص من القانون الأساسي واستنباط حكمه بالاجتهاد وتخريج العلة وتحقيقها ، لكن تلك الاجتهادات ليست أصلا في الدين ولا تعد من القانون الأساسي ، كما يظن كثير من المتأخرين . ثم بيّن أن قفل باب الاجتهاد شر وفتح الاجتهاد الفردي شر كذلك ، والخير كله هو في اجتهاد الجماعة وتشريعهم وهو سبيل الصحابة رضي الله عنهم .

   ثم ذكر أن الذي يتولى القضاء في الإسلام هم رجال القضاء ، وذكر أن السلطة القضائية والسلطة التشريعية في صدر الإسلام كانتا مجتمعتين في يد واحدة ؛ هي يد الخليفة، فإن وجد نصا قضى به وإن لم يجد ، استشار الفقهاء ، فإذا تكّون الرأي قضى به وكذلك كان يفعل القضاة. ثم لما دوّن الأئمة اجتهاداتهم اتخذها رجال القضاء مرجعا لهم، فصار عمل القضاة لا يخرج عن تطبيق آراء غيرهم وتقليدهم .

  ثم تحدث عن السلطة التنفيذية وبيّن أنها تتكون من : ولاة الأمصار، وقواد الجيش ، وجباة الضرائب ، ورجال الشرطة ، وسائر عمال الحكومة . وتحدث عن الخلافة : ووجوبها وشروطها ، وأن الإمام إذا استجمع الشروط لا يكون إماما إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد . كما أن الاستخلاف وولاية العهد لا يكون بهما إمام إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد، الذين لهم الحق في الإشراف على سياسته ، ولهم الحق في عزله إذا لم يوفِ بما عاهدهم عليه في بيعته .

ـ وتحت عنوان:" السياسة الخارجية " تحدث عن علاقة الدولة الإسلامية بالدول غير الإسلامية ، وهل الأصل فيها السلم أم الحرب ؟ وذكر أن فيها قولين للعلماء الراجح منهما أن الأصل فيها هو السلم ، وأن الجهاد إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله ، ونشر الدعوة ، وقتال من يصد الناس عن الإسلام .

   ثم تحدث عن أحكام الإسلام الحربية مقارنة بالقانون الدولي ، ورد على شبهة أن الإسلام انتشر بالسيف حيث بيّن أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوصي قواده أن يخيروا الناس بين ثلاثة أشياء على الترتيب: الدخول في الإسلام إذا قتنعوا به ، أو البقاء على دينهم ودفع الجزية وهي ضريبة لأجل حمايتهم ، أو القتال إذا صد الكفار المسلمين عن إيصال رسالة الإسلام إلى الناس . وذكر أن الإسلام لم يقصد من تشريع القتال إزهاق الأرواح، وتعذيب الناس ، وإنما أراد دفع الشر ، وحماية المسلمين ودعوتهم من العدوان ، فهو وسيلة لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة .

   وأخيرا تحدث عن أحكام الإسلام السلمية ، وبيّن أن الإسلام يعامل بها غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يعتدوا عليهم أي عدوان ، سواء كانوا مقيمين مع المسلمين في دار الإسلام ، أم في دارهم. وهذا على الرأي الذي رجحه وهو أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم ، السلم ، وأن الأمان ثابت بينهم ؛ لأنه أساس العلاقة ، ولم يطرأ ما ينقضه ، لا لأنه مكتسب ببذل ، أو عقد ذمة .

ـ وتحت عنوان السياسة الشرعية المالية : تحدث عن الموارد المالية ، من جهة : شروطها ، وأسسها ، وجبايتها ، ومصارفها.

    ويستفاد مما ذكره المؤلف ما يلي :

ـ أنه حاول تقريب السياسة الشرعية إلى العلوم المعاصرة التي تتناول تلك المجالات .

ـ أن قوله " وأن تكون الأمة هي مصدر السلطات " لا يوافق عليه ؛ لأن تلك الجملة تعني في الديمقراطية الغربية أن تكون الأمة مصدر التشريع في أمور الدولة جميعها ، ممثلة في المجالس النيابية . وهذا لا يصح في الإسلام ، لأن مصدر السلطات بما فيها السلطة التشريعية هو الله سبحانه، فما ورد فيه النص لا يجوز تركه وتشريع قانون آخر بدلا منه ، إنما الجائز هو أن تسن الدولة المسلمة أنظمة في الأمور التي لم يرد بها النص ، وهي من أهم مهام أهل الشورى .

ـ أنه تكلم عن الحرية في الإسلام وكأنها حرية مطلقة . والحقيقة أنها حرية مقيدة بضوابط الشرع وليست مطلقة .

ـ أنه أكثر من وصف مهمة العلماء وأهل الشورى بالمهمة التشريعية، وهذا خطأ في نظري ، وإنما هي مهمة تنظيمية وليست تشريعية ، والفرق بينهما ظاهر.

ـ أنه تكلم عن حقوق الإنسان في الإسلام في ضوء التقسيمات الغربية للحرية .

 

  تحدث عبد العال عطوة في كتابه المدخل إلى السياسة الشرعية ([42]) عن مجالات السياسة الشرعية وبيّن أنها تشمل ما يلي:

أـ العلاقة بين الإمام والرعية من ناحية تحديد سلطة ولي الأمر وبيان حقوقه وواجباته ، وحقوق الرعية وواجباتها .

ب ـ علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب .

ج ـ تنظيم موارد الدولة ونفقاتها وكيفية استثمار المال .

د ـ نظم : القضاء ، والعقوبات ، والجنايات .

   ثم تحدث عن فوائد علم السياسة الشرعية فذكر أن من أهمها مسايرة التطورات الاجتماعية والوفاء بمطالب الحياة المتجددة ، وذلك باستنباط الأحكام لما يجد من الحوادث والوقائع التي لا نجد لحكمها نصا أو إجماعا ، على وجه يحقق مصلحة الأمة في جميع الأحوال والأزمان والأماكن ، ويتفق والشريعة الإسلامية ([43]) .

  ثم تحدث عن شروط العمل بالسياسة الشرعية ، وهي :

ـ أن تتفق ومقاصد الشريعة .

ـ ألا تخالف دليلا من أدلة الشريعة  .

ـ أن تكون سياسة معتدلة وسطا بين التفريط والإفراط . 

ثم تحدث عن طرائق استنباط الأحكام السياسية الشرعية ، والأسس التي تقوم عليها ، وهي: المصلحة المرسلة ، والعرف ، وسد الذرائع ، والاستحسان ، وبيّن أنها كلها تدخل في باب الاجتهاد .

   والخلاصة أن المؤلف قد ربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق المصالح للأمة ودفع المضار عنها ، وهو أمر في غاية الأهمية وبخاصة في هذا العصر ، لكن ما يؤخذ عليه في نظري هو حصر السياسة الشرعية في المجالات التي لم يرد بها نص ، أو التي ورد بها نص لكنه يتغير بتغير الزمان والمكان ، في حين أن الفقهاء الأوائل ـ كما تقدم ـ قد وسعّوا مجالها حتى شمل المجالات التي ورد بها نص ثابت لا يتغير بتغير المصلحة أو العرف أو نحو ذلك .

 

   3ـ تحدث الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها  ([44]) عن تعارض النصوص والمصالح ، وبيّن أن هذا التعارض لا يكون بين النص القطعي والمصلحة ، وإنما يكون بين النص الظني والمصلحة ، ورجح أن هذا هو الذي ذهب إليه الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي . ثم رد على الذين يزعمون أن عمر رضي الله عنه قد عطل النصوص القطعية في سياساته باسم المصالح .

   ثم تحدث عن أسس ومرتكزات في فقه السياسة الشرعية فذكر منها فقه النصوص في ضوء المقاصد وذكر أن في هذه القضية ثلاث مدارس :

المدرسة الأولى : تعتني بالنصوص الجزئية وتتشبث بها وتفهمها فهما حرفيا بمعزل عن مقصد الشرع منها ، وقد سماهم "الظاهرية الجدد " ، أي أنهم يقفون عند ظواهر النصوص ولا يلتفتون إلى المعاني ، والمقاصد ، والحِكم .

والمدرسة الثانية : تقابل المدرسة السابقة حيث تغفل نصوص القرآن والسنة الصحيحة ، مدعية أنها تهتم بالمقاصد والمصالح وأن الدين جوهر لا شكل ، وحقيقة لا صورة . وهم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويتمسكون بالمتشابهات ، ويعرضون عن المحكمات. وقد سماهم "المعطلة الجدد "، أدعياء التجديد ، وهم في الواقع دعاة التغريب.

والمدرسة الثالثة : مدرسة الوسطية التي تسعى إلى التوازن والتكامل بين النصوص والمصالح، فهي لا تغفل النصوص الجزئية من كتاب الله وسنة رسوله ، لكنها تفهمها في إطار مقاصد الشريعة الكلية ، فترد الفروع إلى الأصول ، والجزئيات إلى الكليات ، والمتغيرات إلى الثوابت. وهذه المدرسة لا ترى أن بين النصوص والمصالح تعارضا حقيقيا ، فلا يمكن أن تصطدم مصلحة حقيقية بنص قطعي ، ولو حدث هذا ظاهرا ، فلا بد من أحد احتمالين : إما أن يكون النص غير قطعي وإما أن تكون المصلحة موهومة غير حقيقية ، وهذا هو منهج المدرسة العمرية ، وذكر أنه يتبنى منهج هذه المدرسة .

ـ فقه الواقع . وبيّن أنه ألزم ما يكون في باب السياسة الشرعية ؛ لأنه فقه يتصل بعموم الناس ، وبقرارات وأنظمة وأوضاع تمس حياة الجماهير ؛ ولأنه واقع دائم التجدد والتغير ، فلا بد أن يقابله فقه متجدد ، يراعي تغير الزمان والمكان وأحوال الإنسان . 

ـ فقه الموازنات . وذكر أن السياسة الشرعية تحتاج هذا النوع أيضا . فكثيرا ما يجد ولي الأمر نفسه أمام أمرين أحلاهما مر ، وكثيرا ما تتعارض أمامه المصالح أو المفاسد ، فماذا يقدم؟ أو ماذا يرجح ؟ وقد بيّن أن المصالح إذا تعارضت فوتت المصلحة الدنيا في سبيل المصلحة العليا ، وضحي بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة ، وألغيت المصلحة الطارئة لتحصيل المصلحة الدائمة ، وأهملت المصلحة الشكلية لتحقيق المصلحة الجوهرية، وغلبت المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو الموهومة . وإذا تعارضت المفاسد ارتكب أخف المفسدتين ، وقدم درء المفسدة على جلب المصلحة ، وتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ، وأزيل الضرر بقدر الإمكان ، ولكن لا يزال بضرر مثله.  

ـ فقه الأولويات . فيقدم العلم على العمل ، والفهم على الحفظ ، والاجتهاد على التقليد، وفرض العين على فرض الكفاية ، والجوهر على الشكل ، والكيف على الكم ، والكبير على الصغير ، والضروري على الحاجي ، والدائم على الطارئ، والواقع على المفترض ، والمتفق عليه على المختلف فيه .  

ـ فقه التغيير : وقد ذكر ثلاث قواعد لا بد منها عند التغيير وتطبيق النظام الإسلامي :

الأولى : قواعد " رعاية الضرورات " مثل : قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " وقاعدة " ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها " وقاعدة " الحاجة تنزل منزلة الضرورة " .

الثانية : قاعدة : " ارتكاب أخف الضررين " ومن فروعها : طاعة الإمام الفاسق إذا لم يمكن خلعه إلا بفتنة وفساد أكبر من فسقه .

الثالثة : قاعدة " التدرج " وهي سنة الله في تشريع الأحكام عند بداية تكوين الدولة الإسلامي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، فينبغي مراعاتها . وهو بالنسبة إلينا تدرج في التنفيذ وليس تدرجا في التشريع ؛ لأن التشريع قد اكتمل . ويكون هذا التدرج بالإعداد ، والتربية ، والتهيئة النفسية والفكرية ، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة . فينبغي تحديد الأهداف بدقة ، وتحديد الوسائل الموصلة إليها بعلم وتخطيط دقيق ، وتحديد المراحل اللازمة للوصول إلى الأهداف بوعي وصدق ، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط ، والتنظيم ، والتصميم .

   وخلاصة ما ذكره المؤلف ما يلي :

ـ أنه اعتنى بربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة عناية بالغة .

ـ أنه قد نزل بالسياسة الشرعية إلى أرض الواقع ، وبيّن كيف تطبق .

  

4ـ تحدث العنبري في كتابه : فقه السياسة الشرعية في ضوء القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة : بحوث في النظام السياسي الإسلامي ([45]) عن أمور أخر أهمها : أهداف النظام السياسي في الإسلام وهي : إقامة الدين ، وإقامة العدل ، وإصلاح دنيا الناس . ثم تحدث عن قواعد ذلك النظام السياسي وذكر أنها: الشورى ، والطاعة ، والعدل ، والحرية . ثم انتقل إلى الحديث عن أركان الدولة الإسلامية فبيّن أنها : الحكم بما أنزل الله ، وأولوا الأمر ، والشعب ، والدار أو الإقليم . وقد بيّن أن الحكم بما أنزل الله أو الحاكمية تعبير عما يسمى بالسيادة في النظم السياسية غير الإسلامية . ثم تحدث عن السلطات الثلاث في الإسلام وهي : السلطة التنظيمية ، والسلطة القضائية ، والسلطة التنفيذية . وبيّن أن الأولى تسمى في النظم الوضعية بالسلطة التشريعية ؛ لأن الشعب فيها هو مصدر السلطات ممثلا في المجالس النيابية، وبيّن أن هذا مرفوض في الإسلام ؛ لأن التشريع من خصائص الربوبية ، والله سبحانه هو وحده الحكم بين الناس . أما الذين يتولون السلطة التنظيمية في النظام الإسلامي فهم المجتهدون والعلماء والمفتون .

   ويستفاد مما ذكره المؤلف ما يلي :

ـ أنه حاول الربط بين مباحث السياسة الشرعية ، والنظم السياسية المعاصرة ، مثل : قواعد النظام السياسي وأهدافه ، وعناصر الدولة ، فحاول بيان مسائل السياسة الشرعية في أسلوب جديد هو المتبع في الدراسات السياسية المعاصرة .

ـ أنه قصر كتابه على الجانب السياسي من مسائل السياسة الشرعية ، ولم يتعرض إلى الجانب الاقتصادي ، أو القضائي أو الجنائي ، وهو ما يتفق وعنوان الكتاب ، حيث حصر العنوان بعبارة " بحوث في النظام السياسي الإسلامي " .

ـ أنه وسّع معنى السياسة الشرعية موافقة لمنهج الفقهاء المتقدمين فجعلها شاملة لما ورد به النص وما لم يرد به .

 

    وخلاصة ما كتبه الفقهاء المتأخرون في السياسة الشرعية ما يلي :

ـ أن معظمهم يحصر السياسة الشرعية فيما لم يرد به النص أو ما ورد به النص لكنه يتغير بتغير الزمان والمكان . ولعلهم أرادوا بذلك صد الجامحين في اجتهادهم من تجاوز النصوص القاطعة ودعوى المصلحة على خلافها .   

ـ أنهم قد اعتنوا بربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة ؛ من أجل بناء الاجتهادات المعاصرة في المجالات التي لم يرد بها النص وفق أصول الشريعة العامة وقواعدها .

ـ أنهم قد حالوا ربط السياسة الشرعية بالتخصصات المعاصرة ، لكن الفجوة بينها وبين تلك التخصصات لا زالت كبيرة . 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

أمثلة من السياسة الشرعية التي راعى فيها النبي صلى الله عليه وسلم مقاصد الشريعة

 

   بناء على المعنى الواسع الذي أرجحه للسياسة الشرعية الذي يشمل تدبير شؤون الدولة فيما ورد فيه النص وما لم يرد ، سأذكر فيما يلي نماذج للسياسة الشرعية التي راعى فيها النبي صلى الله عليه وسلم مقاصد الشريعة الإسلامية مثل : التريث في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وصلح الحديبية ، وعدم عقاب المنافقين الذين بدر منهم ما يوجب العقاب ، وعدم هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم . وفيما يلي تفصيل لذلك :

أولا : التريث في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب :

     ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعلن أنه سيخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما"([46])

والذي يبدو والله أعلم أنه قال هذا الحديث في بداية العهد المدني ومما يدل على ذلك ما يلي :

ـ حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ .([47])

    فقد أجلاهم إلى خارج المدينة وليس خارج جزيرة العرب ، لكن كان هناك بعض اليهود الذين بقوا في أطراف المدينة . ومما يدل عليه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : "انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَاهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا . فَقَالُوا : قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ . َقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا . فَقَالُوا : قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ ذَلِكَ أُرِيدُ . فَقَالَ لَهُمْ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ .([48]) .

  وهذا الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ، ومعلوم أنه أسلم في السنة السابعة ، ومعلوم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أجلى اليهود من المدينة قبل ذلك كما تقدم وهزمهم في خيبر في تلك السنة . وربما أن المقصودين في الحديث بعض بقاياهم الذين لحقوا به كما تقدم قبل غزوة خيبر .

 وعلى أية حال فإنه عليه الصلاة والسلام لم يخرجهم في حياته من جزيرة العرب جميعها وإنما أخرج اليهود من المدينة إلى خيبر ، ولم يخرجهم من خيبر إلى خارج جزيرة العرب ، فلماذا عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الأمر ؟

 السبب هو تحقيق بعض المصالح الشرعية لأمته ؛ فقد طلب منه اليهود أن يعملوا فيها مزارعة فوافقهم على ذلك كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : " أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منه " ([49]) . فقد ترك إخراجهم مراعاة لمقاصد الشريعة وهي هنا جلب المصلحة للأمة بالاستفادة من خبرة اليهود في الزراعة ودرء مفسدة عن الجيش وهي إنشغاله بالحرث والزرع وترك الجهاد في سبيل الله . 

   ثم أمر أصحابه في مرضه الذي مات فيه بإخراج المشركين عموما ومنهم اليهود والنصارى من جزيرة العرب كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث منها : "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"  ([50]).

وقد نفذ عمر رضي الله عنه وصية النبي عليه الصلاة والسلام فأخرج اليهود من خيبر إلى الشام .

أما النصارى في الجزيرة فلم يخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فأهل نجران جاءوا إلى المدينة وحاوروه وحاورهم ثم عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم وبقوا على عهدهم مع موافقتهم على دفع الجزية ، وهذا فيه تحقيق مصلحة شرعية للمسلمين ، فأقرهم على البقاء في جزيرة العرب ؛ تحقيقا لهذا المصلحة وأرسل معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه. فقد روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، ابعث إلينا رجلا أمينا ، فقال : "لأبعثن إليكم رجلا أمينا ، حق أمين ، حق أمين  " قال : فاستشرف لها الناس ، قال : فبعث أبا عبيدة بن الجراح " ([51]).

   قال ابن القيم مشيرا إلى المصلحة في قصة وفد نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم : "ومنها بعث الإمام الرجل العالم إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام ، وأنه ينبغي أن يكون أمينا ، وهو الذي لا غرض له ولا هوى ، وإنما مراده مجرد مرضاة الله ورسوله ، لا يشوبها بغيرها، فهذا هو الأمين حق الأمين ، كحال أبي عبيدة بن الجراح " ([52]).

 فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم إخراجهم مراعاة لمقاصد الشريعة وهي هنا جلب المصلحة للأمة وهي حصيلة الجزية إضافة إلى احترام العهد وعدم اللجوء إلى القوة إلا إذا ضاقت السبل وانتفت المصلحة . ثم أخرجهم عمر رضي الله عنه بعد ذلك تحقيقا لأمره صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتقدم .

 

ثانيا : صلح الحديبية :

   في أواخر السنة السادسة للهجرة أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة ومعه قريبا من ألف وأربعمئة رجل من أصحابه ، فلما وصلوا حدود الحرم من جهة الغرب المسماة في ذلك الحين بالحديبية وفي هذا الحين بالشميسي ، بركت ناقته فقال الصحابة رضي الله عنهم : خلأت القصواء . فقال : ما خلأت وما هو لها بخلق ، إنما حبسها حابس الفيل ([53]).

أي أن الأمر قد يتحول من مجرد أداء عبادة هي العمرة ، إلى الدخول في قتال تسفك فيه الدماء ، وتنتهك فيه الحرمات وأعظمها حرمة البيت التي لم تحل إلى تلك اللحظة لنبي من الأنبياء إلا لإبراهيم عليه الصلاة والسلام . وأرسلت إليه قريش عدة مندوبين تخبره بعدم السماح له ولأصحابه بالدخول ، فوقع النبي صلى الله عليه وسلم الصلح معها وعاد إلى المدينة . فلماذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لماذا لم يواصل سيره رغما عن قريش؟

  السبب هو مراعاة مقاصد الشريعة وهي دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أهونهما ، وتفويت أعظم المصلحتين بتحقيق أدناهما . فهذا القرار النبوي ـ بعدم القتال ـ فيه دفع للمفسدة الكبرى عن المسلمين وهي الحرب باحتمال المفسدة الصغرى وهي الضيم الواقع على المسلمين بقبول بعض الشروط ومنها رد من جاء مسلما من الكفار إلى المسلمين ولا يرد من ذهب من المسلمين إلى الكفار .

وفيه تفويت المصلحة الكبرى في نظر الصحابة وعلى رأسهم عمر رضي الله عنه بأداء العمرة وتحقيق مصلحة أقل منها وهي تمكين الناس من الدخول في الإسلام وتفرغ النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلح لمكاتبة ملوك العالم ودعوتهم إلى الإسلام ، وبيان أنه يعرض الإسلام على الناس ويقبل الصلح والمعاهدة ولا يلجأ إلى القتال إلا إذا ضاقت السبل . ولا شك أن هذا فيه تحسين لصورة الإسلام الخارجية وأدعى إلى قبوله والدخول فيه وهي من أعظم المقاصد . 

   قال ابن القيم رحمه الله عن فوائد صلح الحديبية ما يلي :

" ومنها أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ، ودفع ما هو شر منه ، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ... ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة ، إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى ، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه ... ومنها جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين  فيه ، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم "  ([54])

  ثم بيّن ابن القيم بعض الحِكم من ذلك الصلح منها ([55]):

ـ أن ذلك الصلح كان مقدمة للفتح الأعظم الذي أعز الله به المسلمين وهو فتح مكة .

ـ أن الناس أمن بعضهم بعضا واختلط المسلمون بالكفار وبادؤوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين ودخل في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل .

 

ثالثا : عدم عقاب المنافقين الذين بدر منهم ما يوجب العقاب :

   قتل المرتد أو إقامة حد القذف على من بدر منه ذلك ، من السياسة الشرعية ، لكن النبي صلى الله عليه سلم لم يقمه على المنافقين مراعاة لمقاصد الشريعة . ونتطرق في هذا الموضوع إلى مثالين الأول : عدم قتل من بدر منه ما يوجب القتل، والثاني عدم إقامة الحد على المنافقين الذين افتروا الإفك .

عدم قتل من بدر منه ما يوجب القتل :

  عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء . فقال رجل في المسجد : كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبلغ ذلك رسول الله ونزل القرآن . فقال عبد الله بن عمر : أنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله تنكبه الحجارة ، وهو يقول : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب ، ورسول الله يقول : " أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون " ([56]).

وأنزل الله تعالى :

â ûÈõs9ur óOßgtFø9r'y  Æä9qà)us9 $yJ¯RÎ) $¨Zà2 ÞÚqèƒwU Ü=yèù=tRur 4 ö@è% Ï&©#!$$Î/r& ¾ÏmÏG»tƒ#uäur ¾Ï&Ï!qßuur óOçFYä. šcrâäÍ÷kyJó¡n@ ÇÏÎÈ Ÿw (#râÉtG÷ès? ôs% Länöxÿx. y÷èt/ óOä3ÏY»yJƒÎ) 4 bÎ) ß#÷è¯R `tã 7pxÿͬ!$sÛ öNä3ZÏiB ó>ÉjyèçR Opxÿͬ!$sÛ öNåk®Xr'Î/ (#qçR$Ÿ2 šúüÏB͍øgèC ÇÏÏÈ á[57]

  فهذا الرجل قال كفرا وحكم الله بكفره ، ولم يقم عليه النبي صلى الله عليه وسلم حد الردة ، والسبب ـ والله أعلم ـ يتضح من قصة مشابهة كما في حديث جابر رضي الله عنه قال: " غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب ، فكسع أنصاريا ، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا ، وقال الأنصاري : يا للأنصار . وقال : المهاجري يا للمهاجرين . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال دعوى أهل الجاهلية . ثم قال: ما شأنهم ؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري . قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوها فإنها خبيثة . وقال عبد الله بن أبي ابن سلول : أقد تداعوا علينا ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فقال عمر : ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث ، لعبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه " ([58]).

     فعمر رضي الله عنه فهم من كلام هذا الرجل أنه قد ارتد وحكم المرتد هو القتل ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك تنفيذ هذا الحكم مراعاة لمقاصد الشريعة ، فذلك الكلام كفر ومفسدة عظمى لكن قتله قائله مفسدته أكبر ؛ إذ سيؤدي ذلك الجو المشحون إلى اقتتال الناس وربما تفرق صفوف المسلمين من مهاجرين وأنصار ، وأكبر من ذلك تشويه صورة الإسلام والمسلمين لدى الأمم الأخرى ووصفه بدين القتل وسفك الدماء وعدم تقبل الآراء والأقوال المخالفة وتسلط فئة على أخرى .

 قال النووي : " وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْأُمُور الْمُخْتَارَة , وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّف النَّاس , وَيَصْبِر عَلَى جَفَاء الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ لِتَقْوَى شَوْكَة الْمُسْلِمِينَ , وَتَتِمّ دَعْوَة الْإِسْلَام , وَيَتَمَكَّن الْإِيمَان مِنْ قُلُوب الْمُؤَلَّفَة , وَيَرْغَب غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام , وَكَانَ يُعْطِيهِمْ الْأَمْوَال الْجَزِيلَة لِذَلِكَ , وَلَمْ يَقْتُل الْمُنَافِقِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى , وَلِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَام , وَقَدْ أُمِرَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ , وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر , وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي أَصْحَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ إِمَّا حَمِيَّة , وَإِمَّا لِطَلَبِ دُنْيَا , أَوْ عَصَبِيَّة لِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشَائِرهمْ " ([59]).

عدم إقامة الحد على المنافقين الذين افتروا الإفك :

قال أبو داود : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ وَهَذَا حَدِيثُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ حَدَّثَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَاكَ ـ وَتَلَا تَعْنِي الْقُرْآنَ ـ فَلَمَّا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ. حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ قَالَ : فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِالْفَاحِشَةِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ . قَالَ النُّفَيْلِيُّ : وَيَقُولُونَ الْمَرْأَةُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.([60])

  من هذا الحديث يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام حد القذف على الثلاثة من المسلمين الذين وقعوا في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ولم يقمه على المنافقين وبخاصة من تولى كبره منهم وهو عبد الله بن أبي ، وذلك درءا للفتنة . فالخوض في عرض أم المؤمنين مفسدة لكن إثارة الفتنة العامة مفسدة أكبر ، فاحتملت المفسدة الصغرى دفعا للمفسدة الكبرى . ومما يدل على ذلك ما روته عائشة رضي الله عنه في حديث الإفك حيث قالت : " فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا ، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي . فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَاللَّهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ . فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ :كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ . فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ . فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ " ([61]).

  هذا الخلاف الذي حصل بين الصحابة الذي يمكن أن يزيده المنافقون اشتعالا ، هو الذي حمل النبي صلى الله عليه وسلم على عدم إقامة الحد على زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ، فترك الحد ـ وهو من السياسة الشرعية ـ كان من أجل عدم ارتكاب مفسدة أكبر من القذف وهي إثارة الفتنة في المجتمع الإسلامي . 

 

رابعا : عدم هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم :

   بناء على ما تقدم من معنى السياسة الشرعية فإن الاهتمام ببيت الله من أعظم واجبات ولي الأمر . وكان هذا البيت ـ شرفه الله ـ مبنيا على قواعد إبراهيم ثم مع طول الزمن تصدعت جدرانه وخشي عليه من السقوط ، فقرر زعماء قريش هدمه وإعادة بنائه واتفقوا ألا يدخل في بنائه مال حرام فجمعوا لهو مالا لكن هذا المال لم يكف لبنائه فقصروا في بنائه من جهة الشمال من جهة الحجر . فلما فتحت مكة هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدمها ويعيد بنائها على قواعد إبراهيم كما جاء في حديث عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ ـ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ ـ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ " فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.([62])

قال ابن حجر : " قَوْله ـ أي البخاري ـ بَاب مَنْ تَرَكَ بَعْض الِاخْتِيَار... أَيْ : فِعْل الشَّيْء الْمُخْتَار وَالْإِعْلَام بِهِ . وَفِي الْحَدِيث مَعْنَى مَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُعَظِّم أَمْر الْكَعْبَة جِدًّا , فَخَشِيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَظُنُّوا لِأَجْلِ قُرْب عَهْدهمْ بِالْإِسْلَامِ أَنَّهُ غَيَّرَ بِنَاءَهَا لِيَنْفَرِد بِالْفَخْرِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَرْك الْمَصْلَحَة لِأَمْنِ الْوُقُوع فِي الْمَفْسَدَة , وَمِنْهُ تَرْك إِنْكَار الْمُنْكَر خَشْيَة الْوُقُوع فِي أَنْكَر مِنْهُ , وَأَنَّ الْإِمَام يَسُوس رَعِيَّته بِمَا فِيهِ إِصْلَاحهمْ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ". وقال في موضع آخر : "وَفِي حَدِيث بِنَاء الْكَعْبَة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ :

ـ مَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي الْعِلْم وَهُوَ " تَرْك بَعْض الِاخْتِيَار مَخَافَة أَنْ يَقْصُر عَنْهُ فَهْم بَعْض النَّاس " وَالْمُرَاد بِالِاخْتِيَارِ فِي عِبَارَته الْمُسْتَحَبّ .

ـ وَفِيهِ اِجْتِنَاب وَلِيّ الْأَمْر مَا يَتَسَرَّع النَّاس إِلَى إِنْكَاره وَمَا يُخْشَى مِنْهُ تَوَلُّد الضَّرَر عَلَيْهِمْ فِي دِين أَوْ دُنْيَا , وَتَأَلَّفَ قُلُوبهمْ بِمَا لَا يُتْرَك فِيهِ أَمْر وَاجِب .

ـ وَفِيهِ تَقْدِيم الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ مِنْ دَفْع الْمَفْسَدَة وَجَلْب الْمَصْلَحَة , وَأَنَّهُمَا إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِدَفْعِ الْمَفْسَدَة , وَأَنَّ الْمَفْسَدَة إِذَا أُمِنَ وُقُوعهَا عَادَ اِسْتِحْبَاب عَمَل الْمَصْلَحَة " . 

 

 فالنبي ضلى الله عليه وسلم لم ينفذ هذه السياسة الشرعية خشية وقوع مفسدة أكبر ، فدفع المفسدة هنا وهي الردة أو الفتنة مقدم على جلب المصلحة وهي إعادة بناء الكعبة،كما أن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مصلحة تحسينية ويشترط في التحسينات ألا تعود على الأصل أو الضروريات بالإبطال ، فهدم الكعبة قد يؤدي إلى ارتداد بعض من أسلم حديثا ، ومعلوم أن حفظ دين أولئك ضروري وإعادة بناء الكعبة تحسيني ، فيترك التحسيني حفاظا على الضروري . قال الشاطبي : " لو قدرنا تقديرا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية ، لكان حصول الأصلية أولى ؛ لما بينهما من التفاوت "([63]).

 

 

 

 

 

الخاتمة : في النتائج والتوصيات

   وفي الختام أوجز أهم نتائج هذا البحث وتوصياته كما يلي :

أولا : أهم النتائج :

1ـ أهمية علم المقاصد في تسديد وترشيد الاجتهاد وبخاصة في مجال السياسة الشرعية في هذا العصر، الذي كثرت فيه النوازل وتنوعت .

2ـ أن الناس انقسموا بشأن العمل بالشريعة إلى ثلاثة أقسام :

ـ قسم قصر في فهمها ؛ لضيق أفقه ، وقصر نظره ، فمنع أشياء لا تنافي الشريعة مع حاجة الأمة إليها ، مما أدخل الضيق والحرج على الأمة . وأن السلاطين عندما رأوا قصر نظر بعض العلماء ، وإدخال الحرج على الأمة ، دفعهم ذلك إلى اتباع سياسات على غير هدى الشرع ، جرت الفساد والشر على الأمة. ومن ذلك القوانين الوضعية .

ـ وقسم أباح أشياء تنافي شرع الله وحمل الشريعة ما لم تحتمل ، وأدخل في شرع الله ما ليس منه .

ـ وقسم راعى النصوص والمقاصد فوسع مفهوم النصوص وربط المقاصد بها . وهذا هو الحق .

3ـ أهمية أمرين بالنسبة إلى المجتهد : الأول معرفة الشريعة وفهمها فهما صحيحا ، والثاني: معرفة الواقع وأحوال الناس وأعرافهم ، ثم تنزيل الأول على الثاني بعناية شديدة .

4ـ أن مسائل السياسة الشرعية التي بحثها الفقهاء المتقدمون تشمل ما ورد به النص سواء في الكتاب أو السنة أو لم يرد به النص .

5ـ أن القضايا التي بحثوها في الأحكام السلطانية ، هي نفسها القضايا التي بحثوها في السياسة الشرعية ؛ مما يدل على مطابقة مصطلح " الأحكام السلطانية " لمصطلح "السياسة الشرعية " .

6ـ أن معظم الفقهاء المعاصرين يحصر السياسة الشرعية فيما لم يرد به النص أو ما ورد به النص لكنه يتغير بتغير الزمان والمكان . ولعلهم أرادوا بذلك صد الجامحين في اجتهادهم من تجاوز النصوص القاطعة ودعوى المصلحة على خلافها .  

7ـ أن الفقهاء المعاصرين قد اعتنوا بربط السياسة الشرعية بمقاصد الشريعة ؛ من أجل بناء الاجتهادات المعاصرة في المجالات التي لم يرد بها النص وفق أصول الشريعة العامة وقواعدها .

8ـ أن معظم مسائل السياسة الشرعية التي بحثها الفقهاء المتقدمون والمعاصرون تدرس الآن في ثلاثة تخصصات هي : العلوم السياسة ، والاقتصاد، والقانون . فمسائل تولي الحاكم تبحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية ، ومسائل موارد الدولة ونفقاتها وهي المسماة الآن بالنظام المالي للدولة تبحث في علم الاقتصاد وبخاصة الاقتصاد السياسي، ومسائل العقوبات والجرائم والقضاء تبحث في تخصص القانون . وأن الفقهاء المعاصرين قد حالوا ربط السياسة الشرعية بالتخصصات المعاصرة ، لكن الفجوة لا زالت كبيرة .

9ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد راعى مقاصد الشريعة في سياسته الشرعية . يتضح ذلك من تركه لقتال أهل مكة عندما منعوه هو وأصحابه من أداء العمرة والجنوح إلى الصلح، والتريث في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب بعدما أعلن أنه سيخرجهم، وعدم عقاب من استحق العقاب من المنافقين الذين بدر منهم ما يوجب العقاب ، وعدم هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم بالرغم من رغبته في ذلك . 

 

ثانيا : أهم التوصيات :

1ـ الاهتمام بعلم المقاصد ، تعلما وتعليما وتطبيقا في حياة الأمة .

2ـ الرجوع إلى الفتاوى المنضبطة بضوابط المصلحة كفتاوى واجتهادات المجامع الفقهية الموثوقة كهيئة كبار العلماء في المملكة، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة .

3ـ الحذر من الفتاوى والاجتهادات التي تصدر من أفراد أو جهات ، لا تملك أهلية الاجتهاد ، أو تتأثر بالمصالح غير المنضبطة أو السياسة أو نحوها .

4ـ تدريس فقه السياسة الشرعية بفرعيه : العلاقة بين الحاكم والمحكوم وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول ، في الجامعات والكليات والمعاهد العليا، مع مقارنته بالقوانين الدستورية والدولية التي تحكم العالم في هذا العصر ، وبيان موافقتها أو مخالفتها له.

 

 

 

 

قائمة المراجع :

ـ  ابن عاشور، محمد الطاهر ، مقاصد الشريعة الإسلامية ،ط 2،1421هـ( 2001م)، دار النفائس، عمان ـ الأردن .

ـ ابن عابدين ، محمد بن أمين بن عمر بن عبد العزيز ، رد المحتار على الدر المختار "حاشية ابن عابدين " تحقيق: محمد بن صبحي بن حسن حلاق وعامر حسين ،  دار إحياء التراث العربي ، بيروت، لبنان ، ط1 ، 1419هـ (1998) م .

ـ ابن فارس ، أحمد ، معجم مقاييس اللغة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط 1، 1422هـ ( 2001) م .

ـ ابن منظور ، محمد بن مكرم ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 1997م .

ـ أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، الخراج، دار المعرفة، بيروت ، لبنان ، ب ط ، ب ت.

ـ أبو عبيد ، القاسم بن سلام ، الأموال  ، تحقيق : محمد بن خليل هراس ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 1406هـ ( 1986م ) .

ـ البخاري ، محمد بن إسماعيل ، صحيح البخاري ، طبعة دار السلام ، الرياض ، ط2، 1419هـ ( 1999م) .

ـ البدوي ، يوسف بن أحمد ، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية ، ط 1، 1421هـ  ( 2000م ) .

ـ البقمي ، ناصح بن ناصح ، سياسات منظمات العولمة الاقتصادية في ضوء الشريعة الإسلامية ، ص 286، 287 ، مكتبة الرشد ، الرياض ، ط 1 ، 1427هـ ( 2006م)

ـ الثمالي ، عبد الله بن مصلح ،  الحرية الاقتصادية وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي في الإسلام ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، قدمت إلى قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة ،عام 1405هـ ( 1985) م  .

ـ الجويني ، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله  ، غياث الأمم في التياث الظلم ، تحقيق : عبد العظيم الديب، توزيع: المكتبات الكبرى ، طبع : مطبعة مصر ، ط 2 ، 1401هـ .

ـ الحراني، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ط 2 ، 1408هـ ( 1988م ) .

ـ خلاف ، عبد الوهاب  ، السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية ، دار القلم، الكويت ، ب ط ، 1408 هـ    ( 1988) م.

ـ الخادمي ، نور الدين ، علم المقاصد الشرعية ، ط 1 ،  1421 ، مكتبة العبيكان ، الرياض ، المملكة العربية السعودية .

ـ الدمشقي ، محمد بن أبي بكر "ابن قيم الجوزية"  ، زاد المعاد في هدي خير العباد ، تحقيق : شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط25، 1412هـ ( 1991م)  .

ـ الدمشقي، محمد بن أبي بكر "ابن قيم الجوزية"، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، تحقيق : محمد بن حامد الفقي ، مطبعة السنة المحمدية ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ب ط ، 1372 هـ (1953) م 

ـ الدمشقي ، إسماعيل بن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، مؤسسة الريان ، ب ط ، ب ت.

ـ الريسوني ، أحمد ، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ، ط 4 ، الدار العالمية للكتاب الإسلامي،  الرياض .

ـ الرفاعي ، جميلة بنت عبد القادر ، السياسة الشرعية عند الإمام ابن قيم الجوزية ، دار الفرقان ، عمان ، الأردن، ب ط ، 2004م .

ـ السجستاني ، سليمان بن الأشعث ، سنن أبي داود ، دار ابن حزم ، بيروت ، ط1 ، 1419هـ (1998م).

ـ الشاطبي ، إبراهيم بن موسى ، الموافقات ، دار ابن عفان ، الجيزة ، جمهورية مصر العربية ، ط 1،  1421 هـ.

ـ العالم ، يوسف بن حامد ، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ، ط 3 ، 1417هـ (1997م ) ، دار الحديث ـ القاهرة ، والدار السودانية ـ الخرطوم .

ـ العسقلاني ، أحمد بن علي ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1، 1410هـ ( 1989م) .

ـ عطوة ، عبد العال  ، المدخل إلى السياسة الشرعية ، إدارة الثقافة والنشر ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، ب ط ، 1414هـ ( 1994)م .

ـ العنبري ، خالد بن علي بن محمد ، فقه السياسة الشرعية : في ضوء القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة : بحوث في النظام السياسي الإسلامي ، دار المنهاج ، القاهرة ، مصر ، 1425هـ             ( 2004)م.

ـ الغزالي ، أبو حامد محمد بن محمد ، المستصفى من علم الأصول ، دار صادر ، بيروت، لبنان ، ط 1، 1995 .

ـ الفراء ، محمد بن الحسين ، الأحكام السلطانية ، تحقيق : محمد بن حامد فقي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ب ط ، 1421هـ ( 2000م) .

ـ القرضاوي ، يوسف ، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها ، ، مكتبة وهبة ، القاهرة، مصر ، ط 1 ، 1417هـ ( 1998م) .

ـ القرني ، عوض بن محمد ، مقاصد التشريع ،  ب ط ، 1419هـ ، دار الأندلس الخضراء ، جدة.

ـ القشيري ، مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ، ، طبعة دار السلام ، الرياض ، ط1، 1419هـ ( 1999م) .

ـ المارودي ، علي بن محمد ، الأحكام السلطانية ، شركة الحلبي ، جمهورية مصر العربية، ط 3 ، 1393هـ ( 1973م) .

ـ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ، قرارات وتوصيات الدورة الخامسة عشرة المنعقد بمسقط بسلطنة عمان ، في الفترة من 14ـ 19 من المحرم عام 1425هـ الموافق 6-11 مارس 2004م ، القرار رقم 141 ( 7/ 15) .

ـ هيئة الخبراء بمجلس الوزراء  ، مجموعة الأنظمة السعودية ، الرياض ، 1423هـ.

ـ النووي ، يحيى بن شرف صحيح مسلم بشرح النووي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ب ط ، 1407هـ .

ـ اليوبي ، محمد سعد ، مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية ، ط 1 ، 1418 ، دار الهجرة، الرياض ، المملكة العربية السعودية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 ([1]) هيئة الخبراء بمجلس الوزراء  ، مجموعة الأنظمة السعودية ، الرياض ، 1423هـ ، م 1 ، ص 35.

([2]) استعملت بعض الرموز للاختصار على النحو التالي :ع : العدد ، م : المجلد ، ج : الجزء ، ص : الصفحة ، ب ط : بلا طبعة، ب ت : بلا تاريخ .

[3] ) ابن فارس ، أحمد ، معجم مقاييس اللغة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط 1، 1422هـ ( 2001) م ، ص 859 .

([4]) ابن عاشور ، محمد الطاهر ، مقاصد الشريعة الإسلامية ، ط 2 ، 1421هـ ( 2001م)، دار النفائس، عمان ـ الأردن ، ص 251 .

([5]) ابن عاشور ،المرجع السابق ، ص 415 .

([6])العالم ، يوسف بن حامد ، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ، ط 3 ، 1417هـ (1997م ) ، دار الحديث ـ القاهرة ، والدار السودانية ـ الخرطوم ، ص 79 .

([7])الريسوني ، أحمد ، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ، ط 4 ، الدار العالمية للكتاب الإسلامي،  الرياض ، ص 19 .

([8])القرني ، عوض بن محمد ، مقاصد التشريع ،  ب ط ، 1419هـ ، دار الأندلس الخضراء ، جدة ، ص 19 .

([9])اليوبي ، محمد سعد ، مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية ، ط 1 ، 1418 ، دار الهجرة، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، ص 37.

([10])الخادمي ، نور الدين ، علم المقاصد الشرعية ، ط 1 ،  1421 ، مكتبة العبيكان ، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، ص 17.

([11])البدوي ، يوسف بن أحمد ، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية ، ط 1، 1421هـ ( 2000م ) ، ص 50 .

([12])  لمزيد من التوسع انظر : الخادمي ، ص 71 وما بعدها .

([13] ) الشاطبي ، إبراهيم بن موسى ، الموافقات ، دار ابن عفان ، الجيزة ، جمهورية مصر العربية ، ط 1،  1421 هـ  ، م 2 ، ص 18.

([14])  الشاطبي ، مرجع سابق ،ج 2 ، ص 8 .

([15])  الشاطبي ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 300 وما بعدها .

([16]) الخادمي ، مرجع سابق ، ص 51-52. واليوبي ، مرجع سابق ، ص 10، والبدوي ، مرجع سابق ،  ص 101 وما بعدها .

([17]) البدوي ،مرجع سابق ،  ص 101 وما بعدها .

([18])الغزالي ، أبو حامد محمد بن محمد ، المستصفى من علم الأصول ، دار صادر ، بيروت، لبنان ، ط 1، 1995 ، ج 1 ، 257 ـ 266.والبدوي ، ص 123ـ 133 . واليوبي ، ص 179 وما بعدها .

([19])مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ، قرارات وتوصيات الدورة الخامسة عشرة المنعقد بمسقط بسلطنة عمان ، في الفترة من 14ـ 19 من المحرم عام 1425هـ الموافق 6-11 مارس 2004م ، القرار رقم 141 ( 7/ 15) .

[20] ) ابن منظور ، محمد بن مكرم ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 1997م ، ج 3 ، ص 367 .

([21]) ابن عابدين ، محمد بن أمين بن عمر بن عبد العزيز ، رد المحتار على الدر المختار " حاشية ابن عابدين " تحقيق: محمد بن صبحي بن حسن حلاق وعامر حسين ، ،  دار إحياء التراث العربي ، بيروت، لبنان ، ط1 ، 1419هـ (1998) م ، ج6 ، ص 20 .

([22]) ابن قيم الجوزية  ، محمد بن أبي بكر ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، تحقيق : محمد بن حامد الفقي ، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ب ط ، 1372 هـ (1953) م  ، ص 13 .

([23]) سورة النساء ، آية 058

([24])ابن تيمية ، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ط 2 ، 1408هـ ( 1988م ) ، ص 5.

[25] ) مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

([26])الرفاعي ، جميلة بنت عبد القادر ، السياسة الشرعية عند الإمام ابن قيم الجوزية ، دار الفرقان ، عمان ، الأردن، ب ط ، 2004م ، ص 47.

([27])خلاف ، عبد الوهاب  ، السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية ، دار القلم، الكويت ، ب ط ، 1408 هـ   ( 1988) م ، ص 20.

([28])عطوة ، عبد العال  ، المدخل إلى السياسة الشرعية ، إدارة الثقافة والنشر ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، ب ط ، 1414هـ ( 1994)م ، ص 56 .

([29])القرضاوي ، يوسف ، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها ، ، مكتبة وهبة ، القاهرة، مصر ، ط 1 ، 1417هـ ( 1998م) ، 220ـ 301.

([30])العنبري ، خالد بن علي بن محمد ، فقه السياسة الشرعية : في ضوء القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة : بحوث في النظام السياسي الإسلامي ، دار المنهاج ، القاهرة ، مصر ، 1425هـ ( 2004) م .

([31])الرفاعي ، مرجع سابق ،  ص 90 .

([32])الثمالي ، عبد الله بن مصلح ،  الحرية الاقتصادية وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي في الإسلام ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، قدمت إلى قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة ،عام 1405هـ ( 1985) م ، ص 129 ، 130 .

(2) البقمي ، ناصح بن ناصح ، سياسات منظمات العولمة الاقتصادية في ضوء الشريعة الإسلامية ، ص 286، 287 ، مكتبة الرشد ، الرياض ، ط 1 ، 1427هـ ( 2006م ) .

([34]) الفراء ، محمد بن الحسين ، الأحكام السلطانية ، تحقيق : محمد بن حامد فقي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ب ط ، 1421هـ ( 2000م) .

([35]) المارودي ، علي بن محمد ، الأحكام السلطانية ، شركة الحلبي ، جمهورية مصر العربية ، ط 3 ، 1393هـ ( 1973م) .

[36]) ) مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

[37]) ) مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

([38])الجويني ، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله  ، غياث الأمم في التياث الظلم ، تحقيق : عبد العظيم الديب، توزيع: المكتبات الكبرى ، طبع : مطبعة مصر ، ط 2 ، 1401هـ .

([39])أبو يوسف ، يعقوب بن إبراهيم ، الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ب ط ، ب ت.

([40]) أبو عبيد ، القاسم بن سلام ، الأموال  ، تحقيق : محمد بن خليل هراس ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 1406هـ ( 1986م ) .

[41]) ) مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

[42]) ) مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

([43]) عطوة ، المرجع نفسه ، 67 ـ 68 .

([44])  مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

[45]) ) مرجع سابق ، صفحات متفرقة .

([46]) القشيري ، مسلم بن الحجاج ، كتاب الجهاد والسير ، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، ص 784.

(2) المرجع نفسه ، باب إجلاء اليهود والنصارى من الحجاز  ، ص 784.

(1) القشيري ، مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب إجلاء اليهود والنصارى من الحجاز ، ص 783.

[49])) البخاري ، كتاب الشركة ، باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة ، ص 404 . والقشيري ، مسلم ، كتاب المساقاة ، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الزرع والثمر ، ص 678 .

([50]) البخاري ، كتاب الجهاد ، باب جوائز الوفد ، ص 505. والقشيري، مسلم ، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ، ص 817 .

(1) القشيري، مسلم ،  مرجع  سابق ،كتاب الفضائل ، باب من فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، ص 1066.

(2) الدمشقي ، محمد بن أبي بكر "ابن قيم الجوزية"  ، زاد المعاد في هدي خير العباد ، تحقيق : شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط25، 1412هـ ( 1991م)   ، ج 3 ، ص 644 .

([53] ) البخاري ، كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتاب الشروط ، ص 447.

 ([54]) الدمشقي ، محمد بن أبي بكر "ابن قيم الجوزية"  ، زاد المعاد ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 303 وما بعدها.

 ([55])  المرجع نفسه  ، ج 3 ، ص 309 وما بعدها.

([56])  الدمشقي ، إسماعيل بن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، مؤسسة الريان ، ب ط ، ب ت ، ج 2 ، ص 482 .

(3) سورة التوبة ، الآيتان ( 065-066)

(1)البخاري ، كتاب المناقب ، باب ما ينهى عن دعوى الجاهلية ، ص 591 .

(2) النووي ، شرح صحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب ، بَاب نَصْرِ الْأَخِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ، ج 16، ص 139.

(1) السجستاني ، سليمان بن الأشعث " أبو داود " ، سنن أبي داود ، باب في حد القاذف ، رقم الحديث 4474 ، ص 677. وأخرجه الترمذي ، رقم الحديث 3180 ، ص 721 ، وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق . وقال المنذري : أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى . 

(1) البخاري ، كتاب الشهادات ، باب تعديل النساء بعضهن بعضا ، ص 432 .

(2) العسقلاني ، أحمد بن علي "ابن حجر " ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، كتاب العلم ، بَاب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ  ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1، 1410هـ   ( 1989م) ، ج 1 ، ص 299.

 

[63]) ) الشاطبي ، مرجع سابق ، ج 2، ص 26 .





 
حقوق النشر والطبع © 1427هـ الإسلام و الاقتصاد . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2006 www.islamecon.com . All rights reserved